رواية المظفار والشرسة كاملة pdf - مريم غريب

رواية المظفار والشرسة كاملة pdf - مريم غريب

    رواية المظفار والشرسة
    رواية المظفار والشرسة من اجمل الروايات التي سمعت عنها من قبل
    علي الرغم من صعوبة عنوانها حيث انه لم يعتد ان اسمعه من قبل
    يكاد يكون هذا سبب انتشار هذه الرواية وهي عنوانها الجذاب
    وتعتبر مريم غريب هي كاتبة الرواية وهي كاتبة روائية غنية عن التعريف
    وتعتبر هذه الرواية الاكثر بحثا في محرك البحث جوجل هذا الاسبوع .

    عن رواية المظفار والشرسة

    تدور احداث رواية المظفار والشرسة حول بطل الرواية
     وهوعاصم الصباغ واخوه هو شهاب الصباغ
    وبطلة الرواية  هي هانيا علام  وتدور الاحداث حول الاثنين عاصم 
    وهانيا وتدور بينهم صراعات
    وسوف اترككم مع الرواية عزيزي القاريء

    الحلقة ( 1 ) - بداية الحكاية - :
    كان صباحا باردا من أيام الشتاء ، بينما آشعة الشمس الدافئة تتراقص في أرجاء تلك الحجرة الواسعة الفاخرة لاحقتها "هانيا" بعينيها الزرقاوين العابستين و هي تكمل إرتداء ملابسها السوداء أمام المرآة ، فمنذ سبعة أيام من وفاة والدها و هي ترتدي الأسود حدادا و حزنا عليه ..
    و لم يمهلها المحامي الخاص بوالدها وقتا كافيا لتستعيد توازنها الطبيعي الذي فقدته نتيجة لصدمتها بموت والدها المفاجئ ، بل أنه أسرع يطلب مقابلتها كي يتحدث معها بشأن أملاكها و إرثها الضخم ، و لكن في الحقيقة لم تكن "هانيا" مهتمة كثيرا بهذه الأمور خلال تلك الفترة العصبية ، فقد وقع عليها خبر وفاة والدها منتحرا كالصاعقة
    في البداية لم تصدق ، و لكن لا جدوي من عدم تصديقها فتلك هي الحقيقة ، لقد مات والدها منتحرا ، و كم تساءلت مرارا ، لماذا فعل ذلك ؟ كيف يمكن لأببها رجل الأعمال الناجح المعروف و المشهور علي أوسع نطاق أن يقتل نفسه ؟ ما الذي دفعه إلي ذلك ؟ رجل بقدره و في مكانته ما السبب الذي يدفعه إلي الإنتحار و هو يملك كافة الأشياء !!
    إرتعدت "هانيا" لذكرى مرآي جثة أبيها الغارقة في الدماء فوق أرضية مكتبه ، بينما فكرت في مرارة بالغة ، لقد أصبحت وحيدة بهذا العالم بعد وفاة والدتها منذ خمس سنوات ، ثم وفاة والدها منذ سبعة أيام ، لم يكن لها سوى عمها ، و لكن زوجته و أبنائه جعلوه صعب المعاشرة ، إنه رجل لطيف و حنون ، لكن أسرته تفتقر الكثير من صفاته الطيبة ، لا يوجد بينهم سوى التكبر و الغطرسة الوقحة ، و هذا ما جعل "هانيا" بعيدة تمام البعد عنهم ، فلا تزورهم أو تتعامل معهم و لا هم أيضا ..
    رغم أن الجميع يحبون "هانيا" كثيرا وفقا لأعمارهم ذكورا أو إيناثا ، مفتونين بسلوكها الهذب و شخصيتها القوية ، إضافة إلي شكلها الجميل
    كان أصدقاؤها يتفاوتون ما بين صبية صغار و متقاعدين وحيدين ، و كانت هي سعيدة جدا برابطتها الإجتماعية المتينة ، فقد كانت تهوى مساعدة الناس و حل مشكلاتهم ، لدرجة ظن البعض أن الطريق مفروش بالورد أمام فتاة جميلة مثلها في الثانية و العشرون من عمرها ، لا يعرفوا حقيقة ما تشعر به في قرارة نفسها
    الذين عرفوها لفترة طويلة أدركوا تدريجيا أنهم يكادون لا يعرفونها ، و أنها و برغم ما تبدو عليه من روح إجتماعية منشرحة متحفظة للغاية ، لا تبوح بأسرارها أو بأي شئ يجول بخاطرها إلي أي شخص ..
    إنتهت "هانيا" من إرتداء ملابسها ، ثم راحت تضع علي وجهها قليلا من مساحيق التجميل الخفيفة ، كي تداري شحوبها و ملامحها الحزينة ، لم تكن " هانيا " مجرد شابة جميلة فقط ، فتفاصيل وجهها الأشقر كانت كاملة إبتداءً من العينين الزرقاوين الواسعتين تحت رموش كثة حتي الشفتين المكتنزتين الحمراوين ، و قد تركت شعرها البندقي المتموج الطويل الذي ورثته من أمها الفرنسية منسدلا علي كتفيها ، ثم عقدت بعض خصلاته بربطة سوداء حريرية زادتها شبابا و أنوثة إلي الوراء ..
    ثم أخيرا غادرت حجرتها ، و هبطت إلي الطابق السفلي حيث كان السيد " شركس ناصف " المحامي ، في إنتظارها إقبلت عليه " هانيا " مرحبة ، ثم جلست قبالته بعد أن طلبت من أحد الخدم جلب القهوة لكليهما
    كان السيد " شركس " طويلا نحيلا ذا وجه بشوشا و متقدما في السن إلي حدٍ ما ، فيما بعد ما صافحها و قام بتعزيتها للمرة الثانية ، ركز إهتمامه عليها ، ثم قال بصوت هادئ عميق :
    -
    انا اسف يا انسة هانيا اني طلبت اقابلك بالسرعة دي و انتي في الظروف دي .. لكن الأمر مستعجل و انا مش هاقدر آخره اكتر من كده صدقيني.
    أومأت "هانيا" رأسها متفهمة ، ثم أجابته في هدوء :
    -
    مافيش مشكلة يا متر ، انا مقدرة الوضع كويس و عارفة انك اتعاملت مع بابا فترة طويلة ، و علي فكرة مش عايزاك تقلق ابدا انا هدفعلك كل اتعابك.
    إبتسم السيد " شركس " في خفة ، ثم قال بلطف :
    -
    يا انسة هانيا انا ماجتلكيش لحد هنا عشان اناقشك في موضوع اتعابي ، والدك الله يرحمه و يحسن اليه كان بيدفعلي اول بأول يعني مسدد دينه معايا ماتقلقيش ، انا بس طلبت اقابلك بسرعة عشان ابلغك بأمور طارئة لسا عارفها من يومين بس.
    تغضن جبينها بعبسة متسائلة ، ثم سألته في إهتمام:
    -
    خير يا متر ؟؟
    نظر إليها صامتا لبضع لحظات ، ثم أجفل في توتر و أجابها :
    -
    والدك يا انسة هانيا .. من حوالي شهر تقريبا ، باع كل املاكه ، و انا اسف اني اقولك انتي مابقالكيش اي حاجة.
    رمقته "هانيا" في صدمة بالغة ، ثم سألته فاغرة فاها :
    -
    انت بتقول ايه ؟؟
    ثم تابعت ثائرة :
    -
    مستحيل اللي انت بتقوله ده ، مستحيل بابا يعمل كده ، مش ممكن طبعا !!!
    هز السيد " شركس " رأسه في أسف ، ثم تابع بنبرته الهادئة نفسها :
    -
    للأسف يا انسة هانيا ، ده اللي حصل ، انا في الاول كنت زيك كده مش مصدق لما كلمني محامي المالك الجديد من يومين و بلغني الاخبار دي ماصدقتوش ، لحد ما جالي منه امبارح صورة عقد كتابي بالبيع ، يعني توكيل بيع و شرى عليه إمضة مصطفي بيه والدك.
    إنعقد لسان "هانيا" في تلك اللحظة ، و أُرغمت علي الصمت ، تحت تأثير تلك المفاجآة القاتلة ، بينما أضاف الأخير بنبرة مفعمة بالشفقة و الآسف :
    -
    المالك الجديد بصفة ودية بيطالب بحقه في ضم كل الاملاك ليه بما فيهم الفيلا و عربيتك كمان لانها مش متسجلة بإسمك ، و لازم تخلي الفيلا انهاردة لانك لو ماعملتيش كده في ظرف 24 ساعة هيضطر يلجأ للمحكمة و الحكم في صالحه هيبقي سريع جدا لان ورقه سليم.
    لا زالت "هانيا" تحت تأثير الصدمة العنيفة التي تلقتها منذ عدة دقائق ، و لكنها غصت بريقها ، ثم وجهت بصرها إلي الرجل الجالس قبالتها يحدثها في غاية الهدوء و الآسف ، ثم سألته بصوت أبح :
    -
    مين المالك الجديد ده ؟؟
    تحرك في مقعده بشئ من الإضطراب ، ثم أجابها و قد عادت معالم الجدية إلي وجهه :
    -
    هو رجل اعمال معروف ، بس مش عارف اذا كنتي سمعتي عنه و لا لأ .. عموما هو اسمه عاصم ، عاصم الصباغ.
    ساد صمت مطبق بينهما ، كانت "هانيا" تفكر بالكارثة التي وقعت عليها ، لماذا قد يفعل والدها شيئا كهذا ؟ لماذا قد يتنازل عن جميع أملاكه بهذه السهولة لأي شخص أيا كان يكون ؟؟ .. :
    -
    في حاجة واحدة بس لسا ملكك يا انسة هانيا ، و محدش هايقدر ياخدها منك.
    أعادها صوت السيد " شركس " إلي الحاضر المجنون ، بينما عادت تحدق به في إهتمام متسائلة :
    -
    ايه هي دي يا متر ؟؟
    -
    من خمس سنين بعد وفاة والدتك الله يرحمها مصطفي بيه اشتري بيت جديد و خدك و عزلتوا من الفيلا القديمة.
    -
    ايوه مظبوط ، احنا عزلنا من بيتنا القديم بعد موت ماما ، ماقدرناش نعيش فيه منغيرها !
    -
    اللي انتي ماتعرفيهوش بقي يا انسة ان والدك الله يرحمه كتب البيت القديم ده بإسمك من خمس سنين يعني اول ما سيبتوه و عزلتوا ، يعني هو بقي ملكك انتي من وقتها.
    -
    قصدك ان دي الحاجة الوحيدة اللي هورثها ؟؟
    سألته بمرارة هازئة ، فأجابها :
    -
    تقريبا.
    ثم عاد يقول بأسف من جديد :
    -
    لكن بردو مع الاسف .. البيت ماعدش يصلح لحد يعيش فيه.
    -
    قصدك ايه ؟؟
    سألته مرتابة ، فتنهد بثقل و أجابها في لطف :
    -
    والدك .. حوله لمخزن من سنتين ، فبالتالي مش هاتقدري تعيشي فيه ، الا اءذا كانت ميزانيتك المالية تسمح بإنك ترجعيه مكان يتعاش فيه من جديد.
    تنفست " هانيا " بصعوبة و هي لا تزال غير مصدقة بأن والدها فعل بها كل ذلك بعد وفاته ...
    ***************
    في مكاناً أخر ، تحديداً ، بأحد أكبر و أفخر قصور المدينة ..
    تواجد " عاصم الصباغ " داخل غرفة رياضة واسعة مزودة بالحبال و القضبان الحديدية و أدوات رفع الأثقال من مختلف الأشكال و الأحجام ، و في إحدي الزوايا دراجة مثبتة بالأرض للتمارين البدنية ، كان " عاصم " يمارس رياضة الجري منذ ساعة فوقها ، حتي تصبب جسده الرياضي المعضل عرقا بكمية هائلة ، بينما راح يضغط علي أحد أزرار الآلة ليزود من سرعة ركضه
    و لم يتوقف إلا عندما وصل إلي سمعه صوت صديقه المقرب يقول :
    -
    عاصم ! في اخبار مش كويسة.
    عند ذلك ، أوقف " عاصم " الآلة فورا ، و إلتقط زجاجة مياه كانت فوق طاولة قربه ، ثم إستدار نحو محدثه و قال قبل أن يفتح الزجاجة و يشرب كل ما تحتوي من ماء جرعة واحدة :
    -
    في ايه يا زين ؟؟
    صمت " زين " لثوان ، ثم أجابه بخفوت :
    -
    شهاب .. هرب من المصحة.
    أغمض " عاصم " عينيه بشدة ، كما تقلصت أصابع يده القوية حول الزجاجة البلاستيكية في عنف أحالها إلي قطعة متعرجة بيده ، ثم صر علي أسنانه في غضب و سأله :
    -
    هرب ازاي ؟؟
    -
    الدكتور المشرف علي علاجه لسا قافل معايا ، قالي انه لما جه يمر عليه انهاردة لقا اوضته فاضية ، و مالوش اثر في المصحة كلها.
    -
    ابعت حد يدورلي عليه.
    صاح " عاصم " منفعلا ، ثم تابع في عنف :
    -
    هاتهولي من تحت طقاطيق الارض ، عايز الاقيه واقف قدامي الليلة دي.
    أومأ " زين " رأسه قائلا في هدوء :
    -
    حاضر يا عاصم ، هيكون واقف قدامك الليلة دي ماتقلقش.
    أطلق " عاصم " زفيرا غاضبا ، ثم إندفع خارج غرفة الرياضة و من ثم إجتاز أروقة المنزل الطويلة بخطي واسعة و العرق يقطر من جسده حتي صعد الدرج العريض الذي يربط الطابق السفلي بالطابق العلوي و دلف إلي غرفته تتآكله عصبيته ، ثم إلي الحمام حيث إغتسل سريعا و عاد إلي الغرفة من جديد لاففا حول خصره منشة بيضاء عريضة ، ثم توجه نحو حجرة الملابس الصغيرة إلي حدٍ ما و التي إحتوت بداخلها علي أفخر و أثمن الثياب و الكثير من الأغراض و الحاجيات ..
    إرتدي ملابسه الداكنة التي يفضلها مسرعا ، ثم إتجه صوب المرآة ليمشط خصلات شعره السوداء الحريرية الثائرة ، و لكن سرعان ما وقعت عيناه علي جانب وجهه الأيمن ، حيث كانت هناك آثار جرح عميق إمتد من أسفل العين إلي منتصف الفك
    و لا شعوريا رفع يده إلي الندبة في وجهه و مر بأنامله القوية فوقها ، بينما إرتسمت علي وجهه تعابير الوجوم و العبس ، إذ تذكر الحادث الذي سبب له تلك العاهة المستديمة التي حولته إلي مسخاً لا أحد يستطيع أن يتحمل النظر المطول إلي وجهه ..
    منذ أكثر من عشرون عاما ، كان فتى صغيرا عمره لا يتجاوز السادسة عشر سنة ، عندما إنتهي والده في الحريق الذي ألتهم محتويات المصنع الوحيد الذي تبقي لهم بعد ما سُلبت منهم جميع أملاكهم عنوة من رجل إستطاع أن يخدع والده بمهارة فائقة و دون أن يورط نفسه بأدني دليل ، حين شب الحريق بمصنع الأقمشة كان السيد " طايع الصباغ " بداخله فإندفع "عاصم" كالمجنون صوب المصنع لينقذ والده ، وقتها لم يآبه لتحذير العُمال و الناس و تابع إندفاعه رغم الحرارة الشديدة التي مسته ، ثم فجأة دوى صوت إنفجار شديد و فقد " عاصم " وعيه آنذاك ، و عندما أفاق تلقي خبر وفاة والده بالحريق ، ثم خبر تشوه صفحة وجهه اليمني ..
    و هكذا أصبح " عاصم " فجأة يتيم الأب و مسؤول عن أسرة مكونة من أم لا زالت في أوج شبابها ، و من أخ لا زال طفلا رضيعا ، تشردوا في بادئ الأمر خاصة و إنهم خسروا جميع أملاكهم و لم يعد لديهم أي شئ بعد وفاة عائل الأسرة السيد " طايع الصباغ " ..
    فيما بعد لجأت السيدة " هدي سليمان " ربة الأسرة إلي منزل أحد أقاربها بإحدي القرى الريفية ، و بالطبع لم يكن مرحب بها هي و ولديها ، و لكن كان للعرف و التقاليد الرأي الأمثل الذي أجبر أقاربها علي أن يقدموا لها المأوى لئلا يثيروا أقاويل من حولهم عنهم ، فما أزاد " عاصم " من كل الذي حدث إلا تصميما و إصرارا علي الأخذ بثأره و ثأر والده ، فطفق يفكر بالعمل ، حتي بدأ حياته العملية في بيع أعواد الثقاب و السكائر في القرية و المناطق المجاورة علي دراجته في أول الأمر ، ثم إلي الأحياء القريبة و مع مرور الوقت بدأ ينجح في عمله بالجهد و الكد و العزيمة و الإصرار ، فزادت تجارته و راح يشتري بضائع مختلفة بأسعار بخسة و يبيعها بأسعار جيدة مما كان ينتج عنه هامش من الربح الجيد له ، و بعد مدة طويلة من العمل المستمر دون إنقطاع و عندما بلغ الخامسة و العشرون من عمره إستطاع أن يفتح مؤسسة صغيرة لمتابعة تجارته من خلالها ، أطلق عليها إسم
    - A T S - Group
    و التي تشير إلي الأحرف الأولي من إسمه و إسم والده و شقيقه ، علي النحو التالي :
    (Asem - Taia - Shehap ) ..
    إستمرت تجارته داخل قرية أهل والدته فترة من الزمن ، إلي أن شاء القدر و إلتقي بـ" زين الرويعي " شاب متعلم مثقف و ذكي ، و لكنه ينحدر من طبقة متوسطة و لا يملك الفرصة المناسبة كحال معظم الشباب ، و لكن كان لقاؤهما منفعة لكليهما ، فقد عرض " عاصم " مؤسسته الصغيرة و المال الذي إدخره طوال السنوات الماضية ، بينما عرض " زين " أفكاره المتميزه و المختلفة ، و بذلك بدأت تتشكل معالم شركة
    - A T S - Group
    للإستيراد و التصدير ، حتي باتت من أكبر الشركات في الأسواق الكبرى العالمية ، و لكن " عاصم " لم يكتفي بتحقيق النجاح و إعادة المجد له و لعائلته فقط ..
    لقد كانت فكرة الثأر دائما بحسبانه تنمو بداخله يوما بعد يوم ، و لم يتخلي عنها علي الإطلاق ، إلي أن جاء اليوم أخيرا و إنتقم لوالده شر إنتقام من الرجل الذي إحتال عليه و سلبه أملاكه و حياته أيضا
    و ما أراحه أكثر و أكثر هو إنتحار ذلك الرجل ، عند ذلك شعر " عاصم " بلذة إنتصار حقيقية ..
    أفاق من شروده فجأة مارا بيده من جديد فوق الندبة علي خده الأيمن ، كانت تلك هي الأزمة الأكثر مرارة في حياته التي دائما ما تنغص عليه يومه كلما نظر بالمرآة ..
    قطب حاجبيه ، و قد علت وجهه تعابير الكبرياء و الأنفة ، فهو و رغم كل شئ لا يتحمل العطف أو الشفقة من أي إنسان
    سمع في تلك اللحظة صوت طرقاً خفيفاً علي باب غرفته ، فأدار وجهه وصاح بصوته العميق آذناً بالدخول :
    -
    ادخل !
    فإنفتح باب الغرفة و ظهرت فتاة قصيرة نحيلة في عمر الربيع ترتدي الزي الرمادي الخاص بعملها في هذا القصر الشاسع المترف ، ثم خرج صوتها الهادئ يقول :
    -
    عاصم بيه ، الست هدى بعتاني اقولك انها عايزاك في اوضتها.
    أومأ " عاصم " رأسه مقطبا ، ثم سألها :
    -
    هي خدت الادوية بتاعتها ؟؟
    -
    لأ لسا حضرتك ، هي المفروض بتاخدهم بعد ما تتغدا علي طول.
    -
    طيب روحي بلغيها اني هكون عندها بعد الغدا.
    -
    حاضر.
    قالتها الفتاة بأدب ، ثم إنسحبت في هدوء بعد أن أغلقت الباب من خلفها ، بينما تنهد " عاصم " بثقل ، ثم إندفع ينجز بعض أعماله ...
    ***************
    في منزل أخر لا يقل رقياً عن أي منزل مترف بالمدينة الحديثة ، تعالت أصوات الضجيج من داخل غرفة معينة ، يتبعها صوت إمرأة في أواسط العمر ، ذات شعر ذهبي قصير و بشرة عسلية رقيقة و عينان بنيتان واسعتان ، راحت تتوسل إلي زوجها باكية :
    -
    عشان خاطري يا توفيق خليك معانا ، اقعد بس و هنتفاهم كل حاجة هتتحل.
    بينما إنتهي السيد " توفيق علام " من حزم أمتعته داخل حقيبة سفر كبيرة ، ثم أخيرا إلتفت إلي زوجته صائحا في غضب جامح :
    -
    انا خلاص مابقاليش لازمة في البيت يا هانم بعد قضية الحجر اللي رفعها عليا ابنك و اللي روحتي تشجعيه عليها لا يمكن استني ثانية واحدة بعد انهاردة ، اعتبروني مُت مش ورثتوني بالحيا ؟؟
    هزت " دينار " رأسها نافية ، ثم هتفت منتحبة :
    -
    ماتقولش كده يا توفيق احنا منغيرك و لا حاجة.
    فأجابها " توفيق " بنزق :
    -
    ربنا يخليه ابنك بقي ، دلوقتي بقي راجل البيت هايقدر يمشي نفسه و يمشيكوا لكن انا لأ ، سامعة يا دينار لأ.
    -
    طب يا حبيبي اهدا عشان خاطري ارجوك ، اقعد يا توفيق و مروان سيبهولي انا هكلمه.
    -
    هتتوسطيلي عنده يعني !!
    هتف في إنفعال إستنكاري ، ثم تابع بصرامة :
    -
    اسمعيني كويس يا دينار .. مش توفيق علام اللي عاش طول عمره بكرامته راجل حر يجي ابنه علي اخر الزمن و يحجر عليه ، دي تبقي الآية إنقلبت زي ما بيقولوا لما ابن يمشي ابوه و يتحكم فيه.
    -
    ما عاش اللي يهينك او يتحكم فيك يا توفيق.
    هتفت بصوت محشرج من شدة حدة البكاء ، فيما إبتسم " توفيق " في سخرية قائلا :
    -
    لأ يا دينار ، ربنا يخليه و يديله طولة العمر كمان .. هو بردو ابني اولا و قبل كل شيء.
    ثم تابع في ندم مرير :
    -
    الغلطة كانت غلطتي من البداية ، لما سيبتهولك تربيه علي الحقد و الانانية لحد ما طلع تلفان سادي عدواني و مابيحبش الا نفسه.
    ضغطت" دينار " علي شفتيها بقوة ، ثم أطلقت أنيناً خافتاً ممزوجاً بدموع عينيها ، فيما أومأ " توفيق " رأسه في هدوء ، و أضاف :
    -
    هي صحيح غلطتي يا دينار .. لكن انا خلاص مابقاليش سلطان عليه ، فات الآوان ، اديني سايبهولك و سايبلكوا الجمل بما حمل ، علي الله بس المركب تمشي و ماتغرقش.
    و حمل حقيبته من فوق الفراش ، فقبضت " دينا " علي رسغه في هوان متسائلة :
    -
    طب هتروح فين بس يا توفيق ؟ معقول هتسيبني ؟ انا ماليش غيرك !
    أجابها " توفيق " بقسوة و هو يخلص رسغه من قبضتها :
    -
    مالكيش دعوة انا رايح فين يا دينار ، المهم دلوقتي انك تحاولي تشاركي ابنك في ادارة البيت و الشركة اللي عيشت طول عمري بكافح و ببني فيها.
    ثم أضاف علي مضض و هو يهبط السلالم المغطاة بالسجاد الأخضر :
    -
    و انا هبقي اكلمك من وقت للتاني عشان اطمن عليكي.
    وقفت " دينار " وحدها أعلي الدرج تراقب زوجها في حزن و قلة حيلة حتي إختفي عن ناظريها ، ثم إندفعت راكضة نحو غرفة نومها و أخذت تبحث عن هاتفهها الخلوي إلي أن وجدته ، فأجرت الإتصال سريعا بإبنها و هي ترتجف إنفعالا في كل أنحاء جسدها ...
    ***************
    بداخل قاعة حمام فسيحة مترفة ، وقف " مروان " عاري الصدر يحلق لحيته التي نمت قليلا أمام مرآة مثبتة بالجدار فوق حوض المياه الصغير ، بينما علي بعد أمتار قليلة منه كانت تجلس بـ( البنوار ) الملئ بالماء الدافء و فقاقيع سائل الإستحمام ذا الرائحة النفاذة ، تلك الفتاة التي رافقته منذ سهرة الليلة الماضية ، فيما إنطلق صوتها الناعم يسأله :
    -
    بقولك ايه يا مارو يا حبيبي !
    -
    قولي يا عمري ؟؟
    هتف برقة و هو يباشر حلق لحيته متمهلا ، بينما تابعت الأخيرة سؤالها :
    -
    مش هتتجوزني بقي ؟؟
    عند ذلك أطلق " مروان " ضحكة مجلجلة تردد صداها عبر جهات الحمام الأربع ، فتظاهرت رفيقته بالغضب و قالت :
    -
    بتضحك يا مروان ؟ للدرجة دي موضوع الجواز بقي نكتة بتضحكك اوي كده ؟؟
    توقف " مروان " عن الضحك بصعوبة بالغة ، ثم أدار وجهه إليها قائلا :
    -
    يا عبيطة ، انا بضحك عشان اكتشفت انك لسا ماعرفتنيش يا سالي ، انا احب اه اتجوز لأ ، لعلمك انا مؤمن جدا بالمثل اللي بيقول - إن دخل الجواز من الباب ، نط الحب من الشباك - و بعدين ما احنا عايشين سوا اهو احسن من المتجوزين ، بقي بذمتك يا شيخة لو كنا متجوزين كنت هعرف اقولك يا حبيبتي ؟؟
    -
    يعني انت بتحبني ؟؟
    -
    اه طبعا يا قلبي بحبك ، لكن بردو بحب إنجي و مايا و سوزي و كل البنات الجميلة اللي زيك.
    -
    يعني مش هتتجوز ابدا ؟؟
    سألته بصوت مفعم بالسخرية ، فأجابها :
    -
    نو ، نون ، نيانتي ، لأ بكل اللغات يا حبيبتي هو انا مجنون اجيب واحدة تنكد عليا عيشتي صبح و ليل ! انا احب ابقي حر مش متكتف بواحدة تطلع عين اهلي و ..
    قاطعه فجأة صوت رنين هاتفهه الذي تركه فوق حامل المرآة الرخامي ، فإلتفت إليه و ألتقطه ، و لما وقعت عينيه علي إسم المتصل تأفف في ضيق ، ثم أجاب بصوت هادئ متراخٍ :
    -
    ايوه يا ماما !
    -
    انت فين يا ولد ؟؟
    وصل صوت أمه عنيفا علي مسامعه ، فتغضن جبينه بعبسه ضجرة و قال :
    -
    ولد ايه بس يا ماما هو انا طالب مدرسة ! و بعدين من امتي يعني بتتصلي تسأليني انا فين و تحققي معايا بالشكل ده ؟؟
    -
    ما جايز فعلا تصرفاتي دي هي اللي بوظتك و خليتك تلفان علي رأي ابوك ، بس انا هصلح غلطتي دي و هاوقفك عند حدك يا مروان.
    تنهد " مروان " في نفاذ صبر ، ثم عاد يقول بنبرة هادئة :
    -
    طيب يا ماما ، اقفلي انتي دلوقتي و لما ارجع البيت نبقي نتكلم.
    -
    تجيلي حالا.
    -
    حاضر يا حبيبتي سلام بقي.
    ثم أغلق الخط مطلقاً زفيرا طويلا ، بينما سألته " سالي " ممازحة :
    -
    ايه يا مارو ! ماما رفعتلك الشبشب و لا ايه ؟؟
    فإلتفت " مروان " إليها في حدة مصطنعة قائلا :
    -
    هتهزري معايا يا بت ؟؟
    أجابته بغنج باسمة :
    -
    اها يا حبيبي و ماله ؟ بلاش اهزر معاك ؟؟
    إبتسم " مروان " بخفة بدوره ، ثم قال بحدة مصطنعة :
    -
    طب يلا بقي قومي من البركة اللي انتي قاعدة فيها دي خليني اخد دوش انا كمان عشان يدوب امشي.
    قهقهت " سالي " بنعومة عاليا ، و قالت :
    -
    امرك يا حبيبي.
    ***************
    دلف " عاصم " إلي غرفة والدته السيدة " هدى " بعد أن طرق بابها و آتاه صوتها سامحاً له بالدخول ..
    نظر في إتجاه فراشها ، فوجدها نصف جالسة كعادتها ، مستندة بظهرها إلي وسائدها الوثيرة الناعمة ، بينما كانت السيدة المسنة حديثا ترتدي عباءة هفهافة من الحرير الأزرق يتناسب مع لون بشرتها البيضاء ، و شعر الأسود الذي غزاه لون الثلج .. :
    -
    يسلام ! لسا فاكر تيجي تشوفني يا عاصم ؟؟
    قالت السيدة " هدي " تلك الجملة في لكف معاتبة أبنها ، بينما خطي " عاصم " تجاه فراشها حتي وصل إليها ، ثم جلس علي حافة الفراش ألي جانبها و قال في هدوء معتذرا :
    -
    اسف يا امي ، بس كان عندي شغل مهم و اول ما خلصته جتلك.
    -
    يعني هو الشغل اهم من امك ؟؟
    -
    لأ طبعا ، مافيش حاجة اهم منك ، و عموما انا تحت امرك قوليلي كنتي عايزاني ليه ؟؟
    -
    هو انا لازم عشان اطلبك ابقي عايزة منك حاجة ؟ انت وحشتني بس و كنت عايزة اشوفك.
    إنفرج ثغر " عاصم " بإبتسامة خفيفة ، ثم إنحني إلي يد أمه ليقبلها ، فمدت السيدة " هدى " يدها و ربتت علي شعره في حنان ، ثم مسحت بكفها جانب وجهه المشوه بعاطفة أمومية قائلة :
    -
    ربنا يحميك و يخليك ليا يا حبيبي.
    ثم سألته :
    -
    هو شهاب لسا مارجعش من السفر يا عاصم ؟؟
    تنفس " عاصم " بعمق كي يضبط إنفعالاته ، ثم أجابها في ثبات كاذبا :
    -
    لأ يا امي لسا ، هيرجع كمان كام يوم ان شاء الله.
    -
    وحشني اوي ، كان لازم يعني يسافر برا عشان يتفسح ! هو بيتصل بيك يا عاصم ؟؟
    -
    اه بيتصل.
    كذب مرة أخري ، بينما تابعت أمه سؤالها :
    -
    طيب ما بيكلمنيش ليه ؟؟
    -
    اول ما يتصل تاني هخليه يكلمك علطول.
    ثم راح يحدثها بعض الوقت ، حتي سمعا صوت طرق علي باب الغرفة لاحقه دخول الوصيفة الشابة قائلة في خفوت تخاطب " عاصم " :
    -
    عاصم بيه ، في واحد تحت طالب يقابل حضرتك.
    -
    واحد !!
    هتف عابسا ، ثم سألها :
    -
    ماقلش اسمه ايه ؟؟
    -
    قال حضرتك ، وجيه عليان.
    ردد " عاصم " الإسم بين شفتيه في بطء ، ليهز رأسه في صبر نافذ ، ثم أصرف الخادمة و ترك أمه معتذرا لينضم إلي الزائر الذي ينتظره بالأسفل ، و في أقل من دقيقة ، كان " عاصم " قد هبط إلي الطابق السفلي آخذا طريقه تجاه غرفة الجلوس الواسعة التي تمتد علي طول المنزل من الجهة الأمامية ، بينما إنتصب السيد " وجيه " واقفاً حالما رأى " عاصم " مقبلا نحوه ، فمنحه إبتسامة واسعة ، ثم قال و هو يمد له يده للمصافحة :
    -
    مساء الخير يا عاصم يا بيه ، ازي حضرتك ؟؟
    مد " عاصم " يده و صافحة بسرعة و جفاء ، ثم دعاه للجلوس و جلس بدوره في مقعد قبالته قائلا بصوت خشن :
    -
    ايه اللي جابك هنا يا وجيه ؟ انا مش في اخر مقابلة لينا قلتلك ماتتصلش بيا و لا تحاول تقرب مني و تنسي انك عرفتني اصلا ؟؟
    إبتسم " وجيه " في تحفظ ، ثم أجابه بنظرة ماكرة :
    -
    حد بردو ممكن يعرفك و ينساك يا عاصم بيه ؟ مستحيل طبعا !
    -
    انت جاي عايز ايه ؟ انت مش خدت باقي فلوسك من زين ؟ و لا في حاجة تانية لسا ماتحسبناش عليها ؟؟
    -
    خيرك سابق و فايض يا عاصم بيه.
    -
    طب قصر و هات مـ الاخر.
    هتف محتدا و هو لا يزال محتفظا بملامحه الباردة ، بينما تنحنح الأخير ، ثم قال و قد تلعثمت الكلمات علي شفتيه :
    -
    حضرتك عارف انا اد ايه خاطرت و غامرت يوم ما خدعت مصطفي علام و خليته يمضي منغير ما ياخد باله علي توكيل البيع و الشرى اللي سيادتك اديتهولي ..
    ثم بتر كلامه فجأة ، بينما لم يحرك " عاصم " ساكنا ، بل ظل يحدق به في صمت ، فتابع " وجيه " بشئ من التوتر :
    -
    انا طبعا عملت كل ده عشانك.
    -
    يعني عايز ايه مش فاهم ؟!!
    قالها " عاصم " في تهكم لاذع ، فأجاب " وجيه بصراحة و دون أن يماطل :
    -
    عايز ارجع اشتغل تاني في المجموعة.
    همهم " عاصم " متداركا الأمر ، ثم قال بلهجة قاتمة ساخرة :
    -
    عايز ترجع تشتغل في المجموعة تاني يا وجيه ! ده انا اول حاجة عملتها لما ضميت المجموعة لشركتي هي اني اديت اوامر بفصلك ، جاي بقي دلوقتي تطلب مني ارجعك تاني ؟!!
    -
    بس انا خدمتك يا عاصم بيه ، نفذت اوامرك بالحرف ، عملت كل ده عشانك آا ..
    -
    لأ مش عشاني.
    قاطعه " عاصم " في حزم صارم ، ثم تابع بجمود :
    -
    انت عملت كل ده عشان العشرة مليون جنيه اللي عرضتهم عليك و قبلتهم.
    ثم أضاف في هدوء :
    -
    اللي خلاك تخون الراجل اللي عيشت طول عمرك بتخدمه ممكن جدا يخليك تخوني او تبيعني لو وثقت فيك و قبلت ارجعك الشركة تاني .. عشان كده يا وجيه طلبك مرفوض ، و زي ما قلتلك قبل كده ، ما تحاولش تتصل بيا او تقرب مني تاني ، اتمني يكون كلامي واضح لاني مش مستعد اعيده تاني بالكلام.
    ثم هب واقفا ، و قال في برود و هو ينظر إليه بإستعلاء ؛
    -
    شرفت يا وجيه.
    سمعه " عاصم " يسعل في إرتباك ، بينما نهض " وجيه " من مجلسه ، ثم رمق " عاصم " بنظرة متوترة مطولة ، و رحل أخيراً مطرقاً رأسه و هو يجر في أعقابه أذيال الخيبة و التخاذل ....
    ***************
    بعد جلستها المليئة بالصدمات العنيفة مع محامي والدها ، صعدت إلي غرفتها و هي لا تصدق أنها ستغادر منزلها في الحال مُجبرة كي يستولى عليه شخص أخر !
    كانت تفكر منذ رحيل السيد " شركس " ، أنها حتما لن تترك الأمور تمضي بسهولة هكذا ، أو تمر مرور الكرام ، يجب أن تعلم السر وراء كل هذا ، يجب أن تعرف الأسباب التي دفعت والدها إلي القيام بتلك التصرفات ، فإذا تحقق مآربها هذا ، ستكشف سر إنتحار والدها ، و لكن كيف السبيل إلي معرفة كل ذلك ؟ كيف ؟
    صعدت " هانيا " الدرج المؤدي للطابق العلوي الخاص بالغرف منهكة كأنها تختم يومها ، رغم أن الوقت لا يزال في الصباح ، و بينما كانت تدير مقبض باب غرفتها و دموع اليأس علي وجنتيها ، فاجأتها السيدة " قوت القلوب " بقدومها ، ثم إندفعت تقول في قلق بعد أن لاحظت حالتها المزرية :
    -
    هانيا .. مالك يا حبيبتي ؟؟
    إنتفضت " هانيا " منتبهة علي أثر صوت مدبرة المنزل السيدة " قوت القلوب " التي إلتحقت بالعمل في منزل عائلة " مصطفي علام " منذ كانت الإبنة بالمهد طفلة ، بينما رفعت " هانيا " يدها و كفكفت دموعها في سرعة قبل أن تلحظها " قوت القلوب " ثم أجابتها بصوت أبح :
    -
    مافيش حاجة يا داده.
    رمقتها الأخيرة في تشكك قائلة :
    -
    مافيش حاجة ازاي يا بنتي ! هو انا مش عارفاكي ؟ انتي كنتي بتعيطي يا حبيبتي ؟؟
    لم تجبها " هانيا " بل دفعت باب غرفتها و دلفت متجهة صوب خزانة ملابسها و فتحتها ، ثم أخيراً قالت لها بلجهة متماسكة :
    -
    من فضلك يا داده قوت انزلي ادي خبر لكل الناس اللي هنا اني هسيب الفيلا و مش هرجع تاني ، قوليلهم لازم هما كمان يمشوا قبل الليل و انا هبقي ابعت لكل واحد فيهم بقيت حسابه بس يسيبوا عناوينهم.
    علت الصدمة وجه " قوت القلوب " و هي تهتف غير مصدقة :
    -
    انتي بتقولي ايه يا بنتي ؟ معقول هتمشي و تسيبي بيتك ؟ طب هتروحي فين ؟؟
    تنهدت " هانيا " بثقل و هي تجذب حقيبة ملابسها الكبيرة من أسفل مرقدها ، ثم راحت تقول في هدوء :
    -
    لحد دلوقتي يا داده لسا مش عارفة هاروح فين !!
    -
    انا مش فاهمة حاجة خالص ! فهميني يا بنتي ايه الحكاية ؟؟
    بقيت " هانيا " صامتة لفترة ، ثم عضت علي شفتها السفلي بقوة و هزت رأسها في محاولة لمنع دموعها من الإنسياب من مآقيها ، ثم راحت تفضي بالحقيقة كاملة لتلك المرأة الواقفة أمامها ..
    أُصيبت " قوت القلوب " بصدمة عارمة لدي إنتهاء " هانيا " من سرد كافة التفاصيل عليها ، ثم راحت تردد عبارات مستنكرة :
    -
    ايه اللي انا سمعته ده ؟ معقول ! معقول مصطفي بيه الله يرحمه يعمل كده ؟ لا لا مش ممكن انا مش مصدقة ابدا !!
    لوت " هانيا " فمها في سخرية مريرة ، ثم قالت :
    -
    للاسف الاوراق اللي شفتها بعيني سليمة يا داده ، بابا اتنازل عن كل املاكنا لواحد انا عمري ما سمعت بيه و لا عمر بابا جابلي سيرة عنه.
    -
    طب ايه العمل دلوقتي يا بنتي ؟ هتعملي ايه ؟؟
    -
    مش عارفة يا داداه .. بجد مش عارفة !!
    -
    طب ما تروحي لتوفيق بيه.
    صاحت " قوت القلوب " بحماسة عفوية ، ثم تابعت :
    -
    ده بردو يبقي عمك و اكيد هيساعدك.
    أبدت " هانيا " رفضها القاطع بقولها :
    -
    لا لا مستحيل ، لا يمكن ألجأ لبيت عمي أبدا مراته و ولاده مايتعشروش مانتي عارفة يا داده.
    -
    ما انا بردو لازم اطمن عليكي و ابقي عارفة فين اراضيكي ، اقولك تعالي معايا ، تعالي اقعدي معايا في البيت ، البت هنا هتفرح بيكي اوي اه و الله.
    إبتسمت " هانيا " في لطف قائلة :
    -
    شكرا يا داده علي اهتمامك ، لكن انا هقدر اعتمد علي نفسي ماتقلقيش عليا.
    -
    مش هاسيييبك ، هتيجي تعيشي معايا يعني هتيجي تعيشي معايا.
    قالتها " قوت القلوب " بتصميم لا يقبل النقاش ، بينما لم تجد " هانيا " مفر من رغبة السيدة و تصميمها ، فقبلت عرضها ، إذ لم يكن هناك بديل أخر ، فبيت المربية خاصتها هو المأوى الوحيد حاليا بالنسبة لها ..
    و بعد ما تركتها السيدة " قوت القلوب " و ذهبت لتخبر باقي أفراد الخدم بأمر الإخلاء ، حملت " هانيا " حقيبتها فوق الفراش و راحت تجمع ملابسها و جميع أغراضها و تضعهم فيها كيفما إتفق
    إنتهت بعد عشر دقائق من إغلاق الحقيبة و وضعتها بجوار الباب ، ثم جلست فوق الفراش تستند إليه بكفيها و هي تفكر بصوتٍ عالٍ :
    -
    مش هروح اعيش عند عمي توفيق ده شئ مفروغ منه ، لكن لازم اروح ابلغه بالكوارث اللي وقعت فيها ، جايز يقدر يساعدني .................. !!!!!!!!!!!!!!!!

    تابعوني بتعليق علشان يوصلكم باقي الاجزاء ان شاء الله 

    تقييم رواية المظفار والشرسة

    من خلال متابعت لقراء الرواية علي المواقع الالكترونية والواتباد
    يمكنني تقييم الرواية بتسع درجات من العشرة


    إرسال تعليق