قصة أحببت عدوي كاملة

قصة أحببت عدوي كاملة


    قصة أحببت عدوي كاملة 


    1- والدك على الخط رقم ستة.


    حدق الياس انتونيدس في الاضواء الحمراء التي تومض على جهاز هاتفه، وشكر ربه


    لأنه اختار هذا الجهاز الذي يشغل عشرة خطوط في الوقت نفسه عندما بدأ من تسعة أشهر


    بتجديد مستودعه القريب من ضفة النهر وتحويله الى مقر الشركة انتونيدس البحرية في


    بروكلين.


    اجاب :


    - حسناً شكراً لك ياروزي ، دعيه ينتظر قليلاً.


    علقت مساعدته قائلة:


    - يقول إن ان الأمر مهم.


    إذا كان الأمر مهماً فسينتظر إذن. وكان اليأس على ثقة من ان والده لن يفعل ذلك.


    كان الاب ايولوس انتونيدس قليل الصبر وقد سمي تيمناً بإله الريح لكن الياس يرى انه


    سمي تيمناً بإله ( الهواء الحار) .. كان ايولوس ساحراً لكنه غير عملي ابداً.


    وهو لا يصبر ابداً على الروتين اليومي وعلى تحويل الخسارة الى ريح، لم يشأ ان يعرف


    انهم يحتاجون لبعض المال النقدي او ان ابنه الياس يفكر جدياً في شراء شركة صغيرة


    لتوسيع شركتهم ، فالعمل يشعره بالملل، والتحدث الى ابنه يشعره بالملل ايضاً.


    والحظ الى جانبه اليوم، فإلى ان ينتهي الياس من الرد على المكالمات والخمس الاخرى


    التي تنتظر ، سيشعر والده بالملل، ويقطع الاتصال ويذهب ليعلب الغولف او يبحر مع اصدقائه.


    صحيح انه يحب والده كثيراً ، لكنه لا يريده ان يتدخل في شؤون العمل فلديه من


    التعقيدات مايكفيه، وإن كان اليوم لا يختلف عن باقي أيامه.


    كانت شقيقته كريستينا على الخط الثاني، وتريده ان يساعدها في تمويل متجر للحلي


    وادوات الزينة.


    في البداية ارادت ان تربي الارانب ثم تحولت الى موضة القمصان ، ومن ثم رغبت في


    تعلم الموسيقى في معهد خاص لكن الحلي والمجوهرات بدعة جديدة تماماً.


    قالت معللة بطريقة منطقية :


    - بهذه الطريقة سأتمكن من البقاء في نيويورك، مارك نيويورك.


    مارك هو آخر اصدقائها لكن الياس يعتقد انه لن يكون الاخير وهو مشهور بحبه لقيادة


    الزوراق السريعة، ومطاردة النساء، ولعل مارك بانكاس هنا اليوم لكنه سيتبخر غداً،


    تماماً مثل حلم كريستينا بمتجر الحلي.


    قال بحزم:


    - لا، يا كريستينا.


    ووضع السماعة قبل ان يسمع جوابها كانت امه على الخط الثالث، وهي تحضر وليمة


    عشاء في نهاية الاسبوع ، قالت مستبشرة:


    - هل ستحضر صديقتك ام اتدبر لك واحدة؟.


    صرف بأسنانه واجابها وهو على ثقة بأنها لن تبالي بكلامه:


    - لست بحاجة لأن ترتبي لي مواعيد غرامية ياأماه.


    كان هم هيلينا انتونيدس الاكبر في الحياة هو ان تراه متزوجاً وان ينجب لها الاحفاد ،


    لقد تزوج ذات مرة وانتهى زواجه بصورة مأساوية والغي فكرة الزواج من رأسه.


    ألا يكفيه ان يعيل عائلة انتونيدس كلها ويوفر لها مستوى العيش الذي اعتادته منذ


    ثلاثة اجيال ، اطلقت الأم زفرة وقد بدا عليها الانزعاج منه كالعادة:


    - يبدو انك غير ناجح في هذا.


    فأجابها إلياس بلطف:


    - اشكرك على إطلاعي على رأيك.


    لم يخبر امه انه لا يريد الزواج ثانية لئلا تجادله، فهو يعلم ان الموضوع غير قابل للنقاش


    بالنسبة اليه ، لقد طلق زوجته منذ سبع سنوات، ولم يبذل اي جهد كي تحل اخرى محل


    ميلسينت الجشعة المنافقة ، ولابد ان امه ادركت بعد هذه السنوات انه عازف عن


    الزواج.


    قالت:


    - لا تكلمني بهذه الطريقة ياإلياس انتونيدس، انا لا اريد إلا مصلحتك ويجب ان


    تشكرني على ذلك.


    وبما ان كلامها لا يستدعي جواباً، لم يجبها بل قال:


    - لدي اعمال اريد ان انجزها ، المعذرة. ياامي.


    قالت:


    - انت تتحجج دوماً بالعمل.


    فأجاب:


    - على احد ما ان يعمل.


    ساد الصمت إذ لم يكن بإمكانها إنكار ذلك، لكنها لا توافقه على ما يفعله ايضاً.


    واخيراً قالت بحزم:


    - كن حاضراً يوم الاحد وسأتدبر امر الفتاة.


    اما اخته مارثا فكانت تنتظر على الخط الرابع ، كان راسها ملئياً بالأفكار للوحتها


    الجديدة لكن مايعوزها هو وضع هذه الافكار موضوع التنفيذ .


    - إذا اردتني ان اقوم بعمل جيد في مايتعلق بهذه الجداريات ، فيجب ان اذهب الى


    اليونان.


    سألها:


    - لماذا؟.


    ردت:


    - لاستوحي الأفكار.


    - تقصدين أجازة.


    ----------------------


    كان إلياس يعرف شقيقته جيداً فمارثا فنانة جيدة، وما كان ليطلب منها ان تغطي جداراً


    في بهو بنايته وفي مكتبه، وفي غرفة نومه، لو انها فاشلة ومبتذلة، لكنه لم يشأ يمول عطلتها


    الصيفية ايضاً.


    اجابها :


    - إنسي الموضوع ، سأرسل لك بعض الصور ويمكنك ان تستوحي منها.منتديات


    تنهدت مارثا وقالت:


    - انت شخص محبط ياإلياس.


    وكان توأم مارثا لوكاس على الخط الخامس فقال مخاطباً إلياس :


    - ما الحطب في الذهاب الى نيوزيلندا؟.


    اجابه إلياس بصبر:


    - ليس في الأمر خطب محدد، اعتقدت انك اردت الذهاب الى اليونان؟.


    فقال لوكاس:


    - أنا الآن في اليونان ، وقد قابلت الليلة الماضية بعض الشبان الذين ينووون التوجه الى


    نيوزيلندا ففكرت في ان انضم اليهم، هل تعرف احداً يمكنه توظيفي لبعض الوقت في


    أوكلاند؟.


    فأجابه إلياس:


    - ماذا ستعمل؟.


    اجاب لوكاس بغموض:


    - لايهم ، او يمكنني ان اقصد استراليا واتسكع لبعض الوقت هناك .


    وهذا ماكان يقوم به بالفعل، لكن الفارق انه لا يحصر تسكعه بأستراليا كما فعل شقيقه


    بيتر، اقترح الياس اقتراحاً كرره اكثر من مرة:


    - يمكنك العودة الى الديار والعمل لديّ.


    اجاب لوكاس الذي جدد رفضه:


    - مستحيل ، سأتصل بك عندما اصل الى اوكلاند لأرى إن كان لديك اي افكار.


    كان على الخط الأول بيتر كوربيت ، وهو المتصل الوحيد الذي تحدث عن العمل.


    قال كوربيت:


    - ماذا قررت؟ هل انت مستعد لضم شركتنا الى شركتك؟


    لهذا السبب ، انتظر على الخط فهو تواق لبيع شركته ، وتواق ايضاً ليكون المالك


    الجديد إلياس انتونيدس.


    اجابه الياس:


    - نحن نفكر جدياً في الأمر لكننا لم نتخذ قراراً بعد ، بول يراجع البيانات ويقوم ببعض


    الابحاث ويدقق في الأرقام.


    كان مدير المشاريع يحب الغوص في كافة التفاصيل المرتبطة باتخاذ هذا النوع من


    القرارات، على عكس الياس الذي ترك له حرية العمل.إنما عليه في نهاية المطاف ان يتخذ


    قراراً نهائياً فكل القرارات المهمة تعود له في النهاية.


    قال الياس:


    - اريد ان اشرف على العمل بنفسي.


    فأجاب كوربيت موافقاً:


    - بالطبع، يمكنك ذلك متى شئت.


    وتابع الكلام عن تفاصيل البيع فيما انصت إلياس اليه، تعمد ان يأخذ وقته في الحديث


    مع كوربيت من دون ان تغفل عينه عن الزر الاحمر المضاء، وعندما انهى حديث


    كوربيت كان لا يزال يومض.


    لعل الرجل العجوز نسي هاتفه مفتوحاً وغادر كعادته ، لكن الياس ضغط على الزر


    وانصت الى والده :


    - انت مشغول جداً يارجل .


    اغمض الياس عينيه وتمسك بالصبر.


    اجابه إلياس:


    - نعم ، تحدثت على الهاتف طويلاً، وقد تأخرت على اجتماع مهم ، ماذا لديك ؟.


    اجاب الاب:


    - جئت الى المدينة لرؤية صديق ففكرت في ان امر بك ، لدي ما ابحثه معك.


    كانت مقابلة والده شخصياً آخر مايريده إلياس اليوم فقال محاولاً إرجاء المقابلة:


    - سأحضر الى المنزل خلال نهاية الاسبوع ، فنتحدث.


    لكن ايولوس كان له رأي آخر فأجاب:


    - لن يستغرق الأمر طويلاً ، اراك بعد قليل.


    --------------------------------


    ووضع سماعة الهاتف بطريقة احدثت طنيناً في أذن إلياس، اللعنة ، إنه تصرف نموذجي


    من ابيه ، لا يهمه ان كان الآخر مشغولاً إذا مااراد شيئاً.


    اعاد إلياس سماعة الهاتف الى مكانها، وفرك طرف انفه بعد ان شعر بالصداع يطل برأسه.


    وعندما وصلت رائحة عطر والده من مكتب روزي الى مكتبه كانت قد مضت قرابة


    الساعة ، والصداع تملكه تماماً ، قال إيولوس بعدما تقدم بخطى خفيفة وسريعة ثم تهالك


    على احد المقاعد على عادته :


    - خمن ماذا فعلت؟.


    قال إلياس وقد وقف ليقابل اباه:


    - وضعت كرة الغولف في الحفرة بضربة واحدة.


    اتسعت ابتسامة إيولوس عند ذكر الغولف وهمس :


    - ليتني فعلت.


    ثم تنهد واستعاد حيويته واضاف:


    - لكن هذا صحيح من ناحية مجازية.


    من ناحية مجازية ؟ منذ متى يستخدم ايولوس أنتونيدس اللغة المجازية؟ رفع إلياس حاجبيه


    وانتظر ان يطلعه ابوه على الخبر الذي يحمله، وفرك الاب يديه وقال :


    - وجدت شريكاً لنا في عملنا!.


    سأله إلياس بذهول:


    - ماذا؟ ماذا تعني بقولك شريك؟ ومن قال إننا نحتاج الى شريك؟!.


    اجاب الاب:


    - قلت إنك تحتاج لبعض السيولة؟.


    يبدو انه كان يتنصت على مكالماته، واجاب :


    - لم اذكر ابداً انني بحاجة الى شريك! الأعمال تسير سيراً حسناً!.


    فهز ايولوس رأسه وقال:


    - بالطبع لايمكنك إيجاد شركاء لو لم تكن الاعمال تسير بشكل حسن.


    قال إلياس :


    - انس الأمر.


    فرد الاب :


    - كلا ياإلياس، أنت تعمل وتبذل الكثير من الجهد ، أعلم أني لم أقم بماهو مطلوب مني


    ، لكن .. هذا النوع من العمل لا يتناسب مع طبعي وطبيعتي..


    وبدا أيولوس كئيباً ، فابتسم له إلياس مواسياً ومتعاطفاً وقال:


    - اعرف ذلك ياأبي واتفهمه.


    وكانت هذه هي الحقيقة .


    - لكن لا تقلق ، فما من مشكلة.


    هذا صحيح ، فالعمل لم يعد مشكلة، منذ ثماني سنوات كلفه العمل زواجه ، وشكلت


    عدم قدرة والده على تحمل مسؤولية العمل احد اسباب طلاقه من ميلسينت زوجته


    السابقة.


    عندما اكتشفت وضع الشركة السيء وانها الأعمال زادا من مشاكله مع زوجته ، إنما


    كان عليه ان يدرك ماهي أولويات ميلسينت ، وان يرفض الزواج بها.


    كان الأمر كله سوء تقدير وقد عاهد إلياس نفسه على ألا يكرره.


    وتابع والده الكلام:


    - لكني قلق، انا وامك قلقان عليك فأنت تعمل كثيراً، اكثر مما يجب.


    لم يطلع إلياس والديه على سبب طلاقه من زوجته ، لكن والديه لم يكونا احمقين فهما


    يعرفان انه يعمل أربعاً وعشرين ساعة على مدى ايام الاسبوع السبعة لإنقاذ شركة والده


    من الحالة التي وصلت اليها ، بسبب إهمال والده لها .


    كان يعلمان ان وضع شركة أنتونيدس المالي لا يوزاي توقعات زوجته التي تسعى الى


    صعود السلم الاجتماعي بسرعة.


    ولاحظا انها اختفت حالما قرر إلياس ترك كلية إدارة الاعمال ليعمل في شركة العائلة ،


    وسرعان ماتزوجت من احد الورثة، حالما انهت معاملات طلاقها.


    ---------------------------------------


    لم يتحدث احد في الموضوع ، لاسيما إلياس.


    وبعد زواج ميليسينت بدأت رحلة البحث عن زوجة بديلة لإلياس ، وكأن الزواج


    سوف يصلح الأمور ، ويقلل من شعور الأب بالذنب.


    قال بحدة ووضوح :


    - كلا يا أبي.


    رد أيولوس وقد هز كتفيه :


    - آسف يابني ، لقد بعت اربعين بالمئة من اسهم الشركة ولا يمكنني التراجع إذ فات


    الأوان.


    شعر إلياس وكأن احدهم وجه اليه لكمة قاسية :


    - ماذا قلت ؟ بعت؟ لا يمكنك فعل ذلك!.


    تغيرت ملامح ايولوس في الحال ، ولم يعد ذلك الاب اللطيف الدمث الرقيق الذي عرفه


    إلياس واحبه ، فهب واقفاً على قدميه بقوة وصرامة شبه عسكرية، ونظر الى ابنه


    الغاضب ثم قال بقسوة وتعال اشتهر بهما اليونانيون منذ القدم:


    - بالطبع استطيع بيعها.. انا املك هذه الشركة ولي حق التصرف بها.


    فرد إلياس :


    - نعم اعلم ذلك ولكن..


    هذا صحيح فأيولوس أنتونيدس يملك إلياس البحرية ، او خمسين بالمئة من اسهمها على


    أي حال ، في حين يملك إلياس عشرة بالمئة منها ، اما الاسهم المتبقية فهي ملك لأخوته


    الأربعة.


    كانت شركة عائلية كحالها دائماً ، ولم يتواجد فيها حتى تاريخه اي انسان لا يحمل اسم


    أنتونيدس، حملق إلياس بوالده وقد تملكه شعور بأنه طعن في صميم فؤاده،وبأنه تعرض


    للخيانة وقال :


    - بعتها؟


    ردد الكلمة بصوت اجوف وخشن ، مامعنى هذا ؟ أيعني ان السنوات الثماني الماضية


    مسحت والغيت كزواجه؟


    قال الاب مطمئناً :


    - لم ابعها كلها ، إنما مايكفي لتأمين بعض السيولة لتتصرف بها ، قلت إنك بحاجة


    للسيولة ، وقد أمضيت يوم الاحد الماضي تتحدث على الهاتف مع احدهم لتأمين المال


    لشراء شركة تجهيزات.


    وصاح إلياس :


    - وكنت على وشك القيام بذلك.


    فرد والده وهو يفرك يديه بخشونة :


    - قمت بذلك بالنيابة ، وليس عليك ان تعمل بجد للحصول على المال ، لديك فسحة


    لتتنفس الصعداء.


    شعر بركبتيه تخذلانه ، اراد الجلوس ووضع راسه بين يديه ليلتقط انفاسه لكنه وقف


    جامداً والغضب يعلو قسماته.


    حاول ألا يظهر مشاعره لوالده وردد محاولاً تهدئة غضبه العارم :


    - لم يكن عليك بيع اسهم الشركة ، فالأمر يسير حسب ماهو مخطط له.


    فقال والده الذي غضّ أنفه ونظر من حوله :


    - لماذا انتقلنا الى هذا المكان إذن؟


    رد إلياس:


    - لنعود الى جذورنا.


    لم يقتنع إيولوس بماقاله ابنه وقال متأملاً ماحوله:


    - الم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق، وأردت المساعدة.


    قال إلياس وهو ينظر الى والده :


    - اردت المساعدة؟ ياإلهي العزيزي!.


    تنفس بعمق وخلل شعره بيده محاولاً عدم إظهار غضبه ، والقيام بتصرف احمق ،


    وبالطبع لم يفعل ، كانت شركة أنتونيدس البحرية محور حياته منذ ان تخلى عن حلمه


    بإنشاء شركة بناء سفن خاصة به ، وطلاقه من زوجته ميلسينت.


    كانت تقول إن هذا ماشغله عنها قبل ان تهجره ، لكن هذا ليس صحيحاً فقد عمل ليلاً


    نهاراً لإرضاء طموحها ومنحها الحياة التي تريد.


    أني له ان يعرف انها كانت تبحث عن عذر لتخرج من حياته!.


    -------------------------------


    لم يبق له الآن الشركة التي اصبحت محور حياته ، كان مصمماً على ان يعيد لها مجدها


    السابق الذي عرفته على يد جده وجد والده وكاد يصل الى هدفه ، لم يكن الطريق


    سهلاً حتى الآن فلماذا سيتوقع ان تتغير الأمور؟


    سوى ربطة عنقه ، ورسم على وجهه ابتسامة وقال في نفسه إن الامور ستكون بخبر ،


    إنها مجرد عقبة يواجهها في الطريق وكان طريقه ملئياً بالمطبات والحفر والمصائب منذ


    تسلم دفة الأمور في شركة أنتونيدس البحرية.


    حرك إلياس كتفيه لإراحتهما واخذ نفساً عميقاً محاولاً التغلب على غضبه ثم التفت نحو


    والده وسأل بنعومة:


    - لمن بعت الأربعين بالمئة من الأسهم؟.


    فأجاب والده:


    - بعتها لسقراط سافاس.


    فانفجر قائلاً وقد نسي ماعاهد نفسها عليه من الالتزام بالأدب والطف مع والده :


    - اللعنة! سقراط سافاس قرصان فهو يشتري الشركات التي تعاني من صعوبات مالية


    ويبيع ماينبغي منها في سوق الخردة.


    راح يصرخ في وجه ابيه وكان يعلم انه يصرخ لكنه لم يستطع تمالك نفسه ، اجاب


    الأب وقد غابت الابتسامة عن وجهه :


    - لديه سمعة سيئة وانا اعترف بهذا.


    قاطعه إلياس بحدة:


    - سمعة يستحقها.


    وكشر وزمجر واراد ان يلكم الجدران ويلكم والده حتى... واضاف:


    - اللعنة على كل مافعلت، ان شركة أنتونيدس البحرية ليست مفلسة!.


    فأجاب أيولوس بتباهٍ:


    - هذا ماسمعته من سقراط نفسه ، قال إن الشركة تحقق الأرباح ، وقد اضطر لدفع مبلغ


    يسيل له اللعاب لشراء الأسهم ، مبلغ كبير لدرجة انه احتج على ضخامته ، قال إنه


    كان عليه أن يشتريها منذ خمس سنوات وهو يلوم نفسه لأنه لم يفعل ذلك في حينه.


    وكان هذا هو لب الموضوع.


    فنظرة الى حسابات شركة أنتونيدس منذ ثماني سنوات كانت كافية كي يدرك إلياس ان


    ايام الشركة معدودة، إلا إذا استطاع ان يرد لها بعض عافيتها ويضخ الدم في عروقها.


    ولقد فعل هذا ، لكن الأمر تطلب بذل جهود خارقة واستغرق ساعات عمل طويلة ،


    واحتاج للاقتصاد في النفقات خارقة واستغرق ساعات عمل طويلة، واحتاج للاقتصاد


    في النفقات وإعادة هيكلة الشركة من دون ان يظهر ان الشركة تعاني من المصاعب،


    وامضى سنوات عديدة محاولاً تحاشي ان يشتم سقراط سافاس رائحة هذه المصاعب ،


    وأضاف أيولوس :


    - من حسن حظنا ان سقراط لم يشتم اياً من هذه المصاعب.


    فأجاب إلياس بطريقة ساخرة:


    - نعم ، من حسن حظنا.


    وبدا ايولوس مغتماً للحظات ثم اشرق وجهه من جديد وقال:


    - يجب ان تفخر بمافعلته، فقد انقذتنا من مصير مظلم كان ينتظرنا ، واخرجتنا من الهوة


    السحيقة على حد قول سقراط.


    ربما كان سافاس يراقب حركة الشركة سواء عرف إلياس ذلك ام لم يعرفه ، كان يحوم


    حولها كنسر كاسر بدون ادنى شك، فهو سيد من يكتشف ضحاياه منظراً اللحظة


    المناسبة لينقض على الشركة التى تعاني من صعوبات .


    في السنة الماضية فقط تنفس إلياس الصعداء بعد ان ادرك ان الشركة لم تعد في وضع


    متعثر ، والآن باع والده اربعين بالمئة من أسهم الشركة لذلك المفترس الذي لا يرحم ،


    اللعنة! ماالذي سيفعله سافاس بحصته؟ بعثت هذه الفكرة القشعريرة في عمود إلياس


    الفقري، لكنه لن يجلس ليراقب مايجري.


    -------------------------------


    وعندما ادرك انه لن يحتمل البقاء، كمتوف اليدين ، قرر قول كلمات لم يخطر له يوماً انه


    سيقولها ، وتوجه الى ابيه قائلاً:


    - حسناً ، يمكنه الحصول على الشركة ، فأنا استقيل منها.


    فوجيء والده بماقاله وشحب لونه :


    - تستقيل؟ تستقيل؟ لكنك لا تستطيع الاستقالة يا إلياس.


    فأجابه إلياس:


    - بل يمكنني ذلك.


    إذا تجرأ والده وباع حصته في الشركة التي امضى سنوات فيوقف تدهورها من دون ان


    يستشيره او من دون حتى ان يطلعه على نيته ، فيمكنه هو الذي ورث كبرياء ومنهجية


    اسرة أنتونيدس ان يستقيل ويترك الشركة من دون ان يلقي نظرة الى الوراء.


    همس ايولوس بما يشبه الرجاء:


    - لكنك لن تفعل ذلك.


    بد الأب حائراً ومرتبكاً وعبس إلياس إذ توقع منه ان يغضب ويثور وليس هذا


    الشحوب الذي جعله يبدو كالأموات ، فسأله بأدب وقد ارتسم على وجهه طيف


    ابتسامة :


    - لم لا استطيع؟.


    فقال الأب وهو يلوح بيديه:


    - ... لأن... بنود العقد تنص على ان تبقى في الشركة.


    قال إلياس:


    - لا يمكنك ان تبيعني مع الشركة فهذه عبودية والقانون يمنع ذلك ، وبالتالي هذه


    الاتفاقية باطلة وكأنها لم تكن.


    وابتسم ابتسامة حقيقية واضاف :


    - في النهاية لا يحق إلا الحق.


    راح ايولوس يحملق في الارض من دون ان ينبس بأي كلمة فسأله الياس ليقطع


    الصمت الذي ساد بينهما :


    - ماالأمر الآن ؟


    بقي صامتاً طويلاً ثم رفع رأسه وقال :


    - سنخسر البيت.


    إلياس مهتاجاً:


    - أي منزل ؟ ماذا تعني بقولك سنخسر المنزل؟ عن اي منزل تتحدث . أهو البيت في


    الونغ ايلاند؟.


    هز الاب رأسه ثانياً ورد:


    - كلا، ليس المنزل في لونغ ايلاند.


    لا؟ إذاً هذا يعني..


    - منزلنا؟


    منزل الاسرة في سانتوورني، المنزل الذي بناه جده بكده وتعبه وجهده الخاص؟ المنزل


    الذي سكنه اسلافه من رجال ونساء، واضافوا اليه من ذاتهم فلم يعد المنزل الذي يأويهم


    وحسب بل ذاك الذي يضم ذكرياتهم وانجازاتهم، لقد اشتروا منزلاً في لونغ ايلالند منذ


    سنوات طبعاً، كما يملكون شققاً في لندن وسيدني ، وهونغ كونغ لكن لديهم منزلاً


    واحداً.


    لا، المنزل في سانتوريني لا علاقة له بالعمل ولم يكن له أي علاقة به يوماً ، انه ملك


    والده الآن ، كما كان لجده وجد جده من قبل.


    وسيصبح ملكاً لإلياس ذات يوم، صحيح انه انقذ الشركة وممتلكاتها لكن اياً منها لا


    يعني له بقدر مايعنيه ذلك المنزل الوحيد، فهو يخبئ بين جدرانه ذكريات طفولته ، وايام


    الصيف التي امضاها وهو يعمل في بناء السفن مع جده، واحلام شبابه التي بقيت نقية


    ولم تفقد بريقها ، إن المنزل في سانتوريني وهو رمز قوتهم ، والملجأ الأمين ، وقلب عائلة


    أنتونيدس النابض.


    إنه الشيء الوحيد الذي احبه إلياس، وشد قبضتيه لئلا يمسك بقميص ابيه الأخضر


    وقال:


    - ماذا فعلت بمنزلنا؟.


    فرد الأب بسرعة:


    - لاشيء إذا بقيت في أنتونيدس.


    ونظر الى وجه ابنه الغاضب واضاف:


    - كان رهاناً صغيراً ، سباق قوارب ، تراهنا وسقراط من سيصل الى مونتوك ويعود قبل


    الآخر ، وأنا افضل من سقراط سافاس كبحار.


    لم يشكك إلياس في صحة كلامه فقال لأبيه:


    - وماذا حدث؟.


    حدق ايولوس في ابنه ملياً ثم قال :


    - انا امهر من سقراط سافاس لكني لا اقارن بابنه ثيو.


    -----------------------------------


    اطلق إلياس صفارة طويلة وقال:


    - ثيو سافاس ابن سقراط سافاس؟.


    حتى إلياس سمع بثيو سافاس الذي شارك في الألعاب الأولمبية وشارك في العديد من


    سباقات القوارب الاميريكية.


    كان نحيل الجسم، وسيم الطلعة ، اشبه بنجم سينما ، وهو مثال للرجولة الإغريقية


    بحسب شقيقات إلياس.


    قال الأب وهو يهز رأسه ، فاز ثيو وكسب الرهان ، وينص الاتفاق على ان يؤول


    المنزل اليه اذا رفضت البقاء كمدير تنفيذي للشركة مدة سنتين على الأقل.


    - سنتان!


    اعترض ايولوس:


    - سنتان ليستا بالمدة الطويلة ، وهذا ليس حكماً مؤبداً.


    لم يصدق إلياس ماسمعه فوالده يطلب منه ان يبقى ويشهد على تمزيق الشركة التي لطالما


    تعب وجاهد إنقاذها، وسأل إلياس :


    - ما الذي فعلته له؟.


    فرد الأب:


    - ماذا تعني بقولك هذا؟.


    اجاب إلياس :


    - لا شيء ، لا بأس.


    مامن داع لأخذ الأمور على محمل شخصي ، وصرف إلياس بأسنانه مجدداً ، يمكنه


    التحمل سنتين فقد دفع اثماناً اغلى من ذلك بكثير ، وهذه المرة لا يتعلق الأمر بحياته


    وحده بل بحياة اسرته كلها، في الماضي ضحى بكل مالديه فلم لا يفعل هذه المرة ايضاً؟


    وقال:


    - حسناً سابقى.


    اشرق وجه والده وربت على ظهر وقال :


    - علمت انك ستبقى .


    قال إلياس :


    - لكني لن اقدم تقاريراً لسقراط سافاس، وهو لن يتولى إدارة الشركة!.


    تلك الليلة لم يغمض جفنا الرئيس الجديد لشركة أنتونيدس البحري ، وبقيت ( تالي)


    صاحية، وعقلها يعمل بلا كلل، لأن والدها اقتنع اخيراً بأنها اهل لتدير العمل مكانه .


    كانت تعلم مدى صعوبة الأمر بالنسبة اليه فسقراط سافاس إغريقي صعب المراس،


    تقليدي ، ولم يمض على رحيله عن اليونان سوى جيلين .


    كان يرى ان اشقائها الاربعة هم من سيتولى إدارة العمل من بعده وأن على تاليا ان


    تبقى في المنزل لتصلح الثياب وتطبخ الطعام ، ومن ثم تتزوج برجل عصامي وتنجب له


    العديد من الاحفاد ذوي الشعر الاسود والعيون الجميلة ، لكن ذلك لم يحدث.


    كانت ستتزوج من النقيب برايان اومالي، لو لم تتحطم طائرته منذ سبع سنوات.


    كانت حتماً ستتزوجه ، وربما اتخذت حياتها منحى مختلفاً، لكن منذ وفاة برايان لم تقابل


    رجلاً يثير اهتمامها ، ولا يعني هذا إن والدها لم يحاول جهده فهي تعتقد احياناً انه عرفها


    الى كل شاب يوناني في الساحل الشرقي يصلح كعريس لها.


    وبقي جوابها نفسه:


    - اذهب وطارد اولادك الذكور، وجد لهم زوجات.


    لكن سقراط كان يردد الفاظاً وجملاً غير مفهومة عندما يتعلق الأمر باولاده الذكور ،


    فهم لغز بالنسبة اليه حتى اكثر من تاليا ذاتها ، كانت تتحرق إدارة شؤون العمل من


    بعده في حين ان ثيو وجورج وديمتريوس وبايتس لم يظهروا اي حماس للسير على خطى


    والدهم.


    فثيو يهتم بالابحار ويجول في مختلف بقاع الأرض، حاول إن تحبسه في مكتب او مدينة


    فيشعر بان روحه على وشك ان تفارق جسده.


    ولمع جورج كعالم فيزياء يكتشف الكون واسراره في حين ان ديمتريوس اختار التمثيل.


    -----------------------------------


    وكان ابنه الاصغر بانيس وهو اصغر اشقاء تالي قد نشأ وتربى كباقي اخوته في المدينة ،


    ولكنه منذ خمس سنوات نال إجازة جامعية في علوم الغابات فترك المدينة واختار العمل


    والعيش على قمة جبل مونتانا!


    وحدها تالي صممت على السير على خطى والدها في العمل، وهي تمتلك عقلاً يساعدها


    على إدارة الاعمال، وقد عملت في المستودعات، ومكاتب الشحن البحري، وفعلت


    كل مايمكنها لتتعلم حرفة والدها من الصغر، وكان والدها يستغني عنها على الفور


    عندما يعلم انها تعمل في احدى شركاته ويردد بغيظ:


    - لن تعمل ابنتي هنا.


    فانتقلت للعمل في مكان آخر مع رب عمل آخر.


    ولم يعجبه ذلك طبعاً لكنها عنيدة مثل والدها العجوز، وكانت قد التحقت بالجامعة


    حيث نالت اجازة في المحاسبة وعملت لفترة في شركة في كاليفورنيا، بعدئذ عادت الى


    الجامعة ، واكملت دراساتها العليا فيما هي تعمل لدى خباز نقل اليها كل مايعرفه عن


    حرفته ، ولو قررت تالي يوماً ان تنشيء عملها الخاص لما فضلت على صناعة الخبز اي


    عمل آخر، كانت تعشق تحضير المعجنات والحلويات ، وهي طريقتها المفضلة


    للاسترخاء.


    منذ ثمانية عشر شهراً، وبعد ان نالت شهادة الماجستير تقدمت بطلب للعمل في إحدى


    شركات والدها ولكن طلبها رُفض.


    وعملت لحساب احد اكبر منافسي والدها حيث تقدمت في عملها وحصلت على ترقية


    ، كانت تتقدم بسرعة بحسب رب عملها ، وتاكدت ان يصل ذلك الى مسامع سقراط.


    ويبدو ان الخبر وصل اليه اخيراً، فمنذ اسبوعين ، اتصل بها هاتفياً، ودعاها لتناول


    العشاء بعد ان تنتهي من عملها ، فسألته مستفسرة:


    - مع من سأتناول العشاء؟.


    اجابها :


    - معي انا ، انا في المدينة فيما امك في ايطاليا ، واشعر بالوحدة ، ففكرت في دعوة ابنتي


    على العشاء.


    بدت الدعوة بريئة للغاية ، لكن تالي تعرف والدها جيداً منذ تسع وعشرين سنة ،


    لاحظت في صوته الحماس الذي حاول ان يكبته فقبلت الدعوة ، لكن بشيء من


    التحفظ.


    عندما قابلته في لازلو وهو احد المطاعم الهنغارية ، تلفت من حولها بحثاً عن أي شبان في


    الجوار ثم جسلت قبالته ، لكن سقراط لم يأت هذه المرة لأي عريس بل قدم لها عرض


    عمل ، سألت وهي تتلفت من حولها :


    - عرض عمل؟.


    وانتظر والدها حتى انتهى النادل من تقديم الطعام ثم قال بلهجته الصريحة :


    - حصلت على اربعين بالمئة من اسهم شركة انتونيدس البحرية الدولية التي تعمل في


    بناء السفن والقوارب، وكمساهم رئيسي يحق لي ان اعين رئيس مجلس الإدارة واريد


    تكليفك بالمنصب.


    رددت تالي بما يشبه الحشرجة:


    - أنا؟.


    لابد ان امراً غير عادي قد حصل او انها فقدت عقلها، لكن سقراط قال وهو يهز


    كتفيه:


    - لطالما قلت إنك تودين العمل معي.


    فأجابت:


    - نعم، ولكن.....


    قال :


    - إذن انت تعملين معي الآن.


    هزت رأسها غير مصدقة فيما عقلها لايزال يدور في دوامة:


    - اعني .. لم اتوقع ان تشتري لي شركة ياأبي.


    فأجابها مشدداً على كل كلمة يقولها:


    - لم اشتر لك شركة بل حصلت على اسهم شركة واصبح بإمكاني ان تدل في إدارتها


    واريدك ان تديريها.


    --------------------------------


    رطبت شفتيها فيما عقلها يدور ويفكرفي الاحتمالات والإمكانات ثم قالت وهي تحاول


    السيطرة على افكارها :


    - لا ادري .. الأمر فاجأني.


    فرد عليها بقوله:


    - هكذا تأتي افضل الفرص.


    قالت :


    - أعلم ذلك.


    إنما عليها ان تذكر في الأمر وتدرسه ، وسألها :


    - مارأيك؟ اتعتقدين ان بإمكانك القيام بهذه المهمة؟.


    فهتفت قائلة :


    - بالطبع استطيع.


    اشرق وجه سقراط عند سماع جواب ابنته ، تماماً مثلما سمكة القرش عندما ترى سمكة


    صغيرة تتجه نحو فمها .


    مهما كان هدف والدها من تقديم هذا العرض فلديها خططها الخاصة ، وستبذل


    قصارى جهدها في العمل لتثبت له انها تستحق ثقته .


    وخلال الاسبوعين اللذين تليا العرض المغري واستقالتها من شركة إيزلي ، كان لديها


    الكثير من العمل والمطالعة لتقف على اوضاع شركة انتونيدس البحرية الدولية،


    وماعرفته عنها جعلها اكثر حماساً للعمل .


    كانت شركة بناء سفن قديمة وعريقة ومحترمة وقد شهدت بعض الصعوبات خلال


    السنوات الثماني الماضية لكنها راحت تستعيد عافيتها وتتقدم الى الامام.


    لاحظت بعض التغيير في رئاسة الشركة فأيولوس انتونيدس لا يزال رئيسها لكن ابنه


    يدير الامور بالنيابة عنه، ويبدو ان الابن ابلى بلاءً حسناً إذ تخلص من الهدر واعاد


    الامور الى نصابها ودفع الشركة للتوسع خارج نطاق بناء السفن .


    ووجدت تالي نفسها عاجزة عن الصبر لتصبح جزءاً من عملية التوسع هذه.


    والآن وفيما هي تقف امام المستودع القديم في بروكلين حيث مقر شركة انتونيدس


    البحرية الدولية شعرت بعدم صبرها يزداد، لم يكن مقر الشركة يبعد سوى بضعة مبان


    عن شقتها ما أدهشها إذ توقعت ان يكون مقرها في منهاتن، وكان هذا صحيحاً قبل ستة


    اشهر قبل ان تنتقل الشركة من الجانب الشرقي للنهر الى بروكلين.


    عرفت ان سبب الانتقال هو عصر النفقات لكن الشركة هنا في مكان حيوي،وفي


    مسرح للأحداث .


    عندما تلفتت تالي من حولها مع ساعات الصباح الأولى رأت ان الشركة تنتمي الى هذا


    المكان ، كان الوقت مبكراً جداً، ، فدفعت الباب ودخلت، ولما اصبحت داخل المبنى


    احست وكأنها تقطع المحيط، وبدلاً من ان تجد بيئة العمل التقليدية وجدت نفسها امام


    بهو مطلي باللون الأزرق ، ذاك اللون الداكن النابض بالحياة الذي يذكر بالبحر الأبيض


    المتوسط ، كان اللون الزرق يمتد من الارض الى السقف ، بحر ازرق وسماء زرقاء وبعض


    الجزر التي تزينها ابنية بيضاء وكنائس ذات قبب زرقاء.


    كانت الرسوم رائعة وبسيطة ، لم تزر تالي اليونان ارض اجدادها من قبل ، إذ لم يتسن


    لها الوقت لتقوم بذلك، لكنها عرفتها على الفور ووجدت نفسها منجذبة اليها.


    لم ترغب يوماً في الذهاب الى اليونان ، مصدر التقاليد كلها التي امضت حياتها تحاربها بلا


    هوادة، لكنها لاحظت الآن ان تلك البلاد تضم ماهو جميل، ويستحق الاهتمام ، وفجأة


    راحت فكرة السفر تراودها ، لكن ليس بقدر فكرة دخول المصعد والضغط على الرقم


    3.


    بدا من رائحة الخشب والسجاد التي تفوح من المصعد انه جدد مؤخراً ، ولما انفتح


    الباب عند الطابق الثالث وخرجت ، وجدت ان اعمال التجديد لم تنته بعد ، والعمل


    مازال جارياً على قدم وساق.


    -----------------------------------


    فالأرض الخشبية عرية والجدران غير مطلية ، واستطاعت ان تسمع صوت المطارق من


    خلف احد الابواب المغلقة.


    شعرت ان عليها ان تحصل على اسم ذاك الرجل الذي يتولى اعمال الصيانة لتعطيه لمالك


    منزلها ، فآرتي يحاول العثور على عامل يجدد له إحدى الشقق ، عامل يمكن ان يأتي الى


    عمله قبل حلول الظهر.


    مرت بالعديد من المكاتب حتى وصلت الى مكاتب شركة انتونيدس البحرية الدولية،


    وجدت الباب مقفلاً ، وهذا امر طبيعي في السادسة واربعين دقيقة صباحاً ، لكنها لم


    تكترث فلديها مفتاح ، مفتاح لشركتها ، حسناً ، مفتاح للشركة التي ستترأسها.


    كل ماعليها ان تفعله الآن هو ان تبدو جديرة بالمنصب الذي تحتله.


    وتنفست بعمق ووضعت حقيبتها ارضاً لتبحث عن مفتاح المكتب في حقيبة يدها ،


    وعندما عثرت عليه ادخلته في القفل وفتحت الباب ودخلت.


    * * *


    لقد تأخرت إنه أول يوم عمل لها في شركة انتونيدس البحرية وهاهي رئيسة الشركة لا


    تزعج نفسها بالحضور!


    راح إلياس يذرع ارض مكتبه هو يحمل في يده فنجاناً كبيراً من القهوة ويصرف بأسنانه


    وكأنه يريد تقطيع لحمها.


    هذه هي العاملة المتحمسة التي تعمل بجد بحسب ماقاله والده.


    في الواقع يفترض به ان يُسر فإن لم تأت لن تتمكن من إفساد الامور ، وقد امضى


    الاسبوعين الماضيين في العمل على ألا تتدخل في إدارته للشركة.


    عندما وجد ان لا مناص من الضررر الذي احدثه والده ، بذل جهده للحد من الضرر


    ومنع تفاقمه ، اي إظهار حدود المشكلة والحرص على الأتصبح اكبر.


    اعد المكتب الفخم الكبير المطل على النهر الذي كان يفترض ان ينتقل اليه ذات يوم،


    لكنه لم يفعل ذلك لأنه ليس عملياً ، سيستخدم المكتب ليحاول ان يبعدها عن مركز


    القرارات ماامكنه، وبإبعادها عن طريقه سوف يتسنى له إدارة الشركة كما كان يفعل ،


    وهذا مايفترض به ان يفعله، لكن عليه اولاً ان يسلمها مكتبها ويتخلص منها.


    توقع ان تصل في التاسعة ، لكن الساعة تجاوزت التاسعة والنصف ، وقد تواجد في


    مكتبه منذ الثامنة مستعداً لملاقاة المتطفلة ، وكانت مساعدته روزي قد سبقته وحضرت


    القهوة في محاولة منها للتأثير في الرئيسة الجديدة كما وضعت صحناً فيه بعض الكعك


    قرب آلة تحضير القهوة.


    اراد الياس ان ينتقدها على ذلك ، لكن الكعك كان لذيذاً فبعضه بطعم القرفة،


    والبعض الآخر بطعم اللوز او بنكهة زبدة الفستق.


    كانت معدته تتحرق لتناول بعض الكعك، وعندما توجه نحو الطبق وجد ان العديدين


    سبقوه اليه .


    كان الباحث بول جوهانسن يتحدث وفمه مليء بالكعك ، كما قررت لوسي المسؤولة


    عن مراجعة العقود والحسابات التخلي عن حميتها والبدء بها في الغد، اما ديسون الذي


    يتولى تصميم وتطوير المشاريع فكان الكعك عالقاً في شاربيه حتى ان ثرينا وكارا اللتين


    تتوليان اعمال السكرتاريا وجوليا المرأة التي على وشك ان تضع مولودها تسللن الى


    البهو لسرقة قطعة او اكثر من الكعك.


    لا عجب في ان روزي كانت ترفض باستمرار تحضير القهوة في المكتب ، ولو عرفوا


    مواهبها الاخرى لما تركوها تفعل شيئاً سوى تحضير الكعك.


    حسناً ، لابد ان الآنسة تاليا ستتأثر بما ستراه ، هذا إذا ماظهرت قبل ان تنفذ القهوة


    والكعك.


    ----------------------------


    لكنه لن ينتظر اكثر فهذه ليست مدرسة إدارة اعمال ، والعمل الحقيقي يدار في العالم


    الحقيقي.


    قال موجهاً كلامه الى بول وديسون :


    - سنذهب الى قاعة الاجتماعات.


    قفزا مذعورين، ومسح بول فمه من الكعك.


    ابتسم إلياس وقد شعر ببعض الرضا ، لأن الآنسة سافاس فوتت ما جرى تحضيره


    بمناسبة مجيئها.


    ولدى مروره بروزي وجه كرمه اليها قائلاً:


    - هذا مثير ، لم لا تحضرين هذا باستمرار ؟.


    نظرت اليه روزي وقالت :


    - لم احضرها بنفسي على الإطلاق.


    رمقها إلياس بنظرة تساؤل ثم التفت الى بول وقال :


    - لا تقل لي إنك خبزتها.


    ضحك بول وقال :


    - لا استطيع غلي الماء.


    وتراجع ديسون وراح يهز خصلات شعره باسماً وقال :


    - لا تنظروا الي.


    قالت ثرينا وهي تتأبط العديد من الملفات عائدة الى مكتبها :


    - لعلها الفتاة الجديدة؟.


    سأل إلياس :


    - أي فتاة جديدة تلك التي تتحدثون عنها؟.


    كان يعلم ان فتاة ماستحل مكان جوليا ، لكنه لم يعلم انها وصلت فعلاً.


    - افترض انها تعنيني أنا.


    وظهرت فتاة في أواخر العشرينات من عمرها ، لا تشبه كثيراً الفتيات اللواتي يعملن في


    المكاتب ، بدت ممشوقة القوام إنما ليست نحيلة ، وكان شعرها مشدوداً الى الخلف


    ومربوطاً بشكل انيق لكن مجموعة الدبابيس التي حاولت إحكام ربطه بها لم تقم بمهمتها


    تماماً.


    كان شعرها كثيفاً ومتمرداً ماجعلها اكثر فتنة وجاذبية، بدت وكأنها خرجت للتو من


    الفراش.


    راح إلياس يتخيل كيف ستكون في الفراش ، إنه رجل يقدر الجمال ، لكنه لم يعتد


    التفكير في حمل المرأة الى الفراش.


    ابتسمت الآنسة له ، وهزت رأسها لتسوية شعرها فشعر بالحاجة لنزع تلك الدبابيس


    من شعرها ، والعبث به، لكنه اكتفى بوضع يديه في جيبيه، لأنه يخلط بين العمل والمتعة ،


    قال موجهاً كلامه اليها:


    - هل حضرت هذا الكعك بنفسك؟.


    هزت رأسها ايجاباً وقالت:


    - هل اعجبك الكعك؟.


    هز رأسه ايجاباً ، لكنه لم يشأ ان تعتقد انها تستطيع استخدام هذه الوسيلة للوصول الى


    امور اخرى، فقال :


    - إنها لذيذة فعلاً، لكن مامن داع لها ، كل ماعليك القيام به هو تأدية عملك فقط.


    سألت باستغراب:


    - عملي؟.


    فأجابها بصبر:


    - الاهتمام بالملفات والطباعة وما إلى ذلك ، تفعلين مايطلب منك القيام به.


    قطب إلياس جبينه وسأل :


    - إذن ماذا تفعلين هنا؟.


    مدت يدها لتصافحه وردت:


    - أنا تالي سافاس ، الرئيسة الجديدة يسعدني الاجتماع بك.














    الجزء الثاني


    2- إنها امرأة


    تباً لسقراط!


    نظرة واحدة الى إلياس انتونيدس كانت كافية لتعرف تالي انها وقعت في الفخ ، ما أغباها


    حين ظنت ان والدها اخذها على محمل الجد.


    ادركت الآن مااراده حين اسند اليها هذه المسؤولية، فرئاسة شركة انتونيدس البحرية لم


    تكن سوى وسيلة لوضعها في طريق احد آلهة اليونان ، اله يرتدي سروالاً كاكياً وقميصاً


    ازرق.


    كان إلياس انتونيدس فعلاً وسيماً جداً، بشعره الاسود الكثيف، وفمه العريض ، وانفه


    المستقيم ووجنتيه القويتين.


    ولم يكن يضع خاتم زواج في اصبعه مازاد من شكوكها بنوايا والدها.


    حسناً ، لا يمكنها ان تقول ان طموحات والدها محدودة لكن لابد من انه فقد رشده


    عندما اعتقد ان رجلاً مثل إلياس انتونيدس قد يهتم بها فهي إمرأة عادية تتجاوز عتبة


    القبول ، لكنها لا تدير الرؤوس حتماً.


    بعض الرجال يعجبون بشعرها ، لكن نادراً مايعجبهم العقل النشيط المدير تحت ذلك


    الشعر ، ويعجب البعض الآخر بمال والدها لكن نادراً مايرضون الارتباط بامرأة ذات


    عقل مستقل وشخصية قوية.


    الوحيد الذي احبها لذاتها هو برايان ، وحتى تجد ذلك الرجل ، ستبقى على تصميمها


    ورأيها ، عندما يأتي ذلك الرجل ، لن يخشى عقلها او يعجب بشعرها ، او بملايين


    والدها، بل سيحبها لذاتها ، لن ينظر اليها باشمئزاز كما فعل إلياس انتونيدس وكأنها


    قمامة التصقت بكعب حذائه ، على الأقل هي واثقة من ان إلياس ليس طرفاً في لعبة


    والدها، لكن إذا كان وجودها يزعجه الى هذا الحد فلم لم يصارح والدها بذلك او


    يقول لوالده على الأقل؟


    لابد ان رأيه نافذ بصفته المدير التنفيذي للشركة والرجل الذي اعادها من شفير


    الإفلاس، لعله فظ دوماً.


    حسناً ، هي ليست فظة وهي مصرة على بذل قصارى جهدها في العمل بصرف النظر


    عما يخطط له والدها سراً ، وهكذا مدت يدها وصافحت إلياس بقوة وقالت:


    - لابد انك إلياس ، يسعدني لقاؤك ويسعدني ان الكعك اعجبك ، اعتقد ان علي ان


    ابدأ ، اعني ان اكمل.


    - بصنع الكعك؟


    نظر اليها باستغراب ودهشة وقطب حاجبيه ، نظرة كانت لتجعل الرجل العادي يبدو


    محتاراً ومذهولاً لكنها زادت مظهر الياس جدية وخطورة وإثارة ، فلعنت تالي والدها في


    سرها فيما اجابت بقوة:


    - نعم، لاحظت ان الناس يحبونها مايجعلوهم يحبون القدوم الى العمل.


    ارتفع حاجباه ، ونظر اليها باستعلاء وقال :


    - المتعة مبالغ فيها ياآنسة سافاس.


    تنهدت تالي بارتياح ، إن كان صلباً ومتكبراً ، فسيسهل عليها التعامل معه كما


    ستتمكن من مقاومة جاذبيته.


    - لا اوافقك الرأي إطلاقاً بل اعتقد ان الأمر مهم جداً، إذا كانت معنويات الموظفين


    في الحضيض فسيتأثر العمل.


    صرف بأسنانه بصوت مسموع وقال:


    - المعنويات في شركة انتونيدس ليست متدنية.


    اجابته موافقة:


    - بالطبع ليست ، واريد ان ابقيها كذلك.


    -----------------------------------


    - الكعك لا يرفع المعنويات.


    فقالت:


    - لكنه لا يضر ، وهو يحسن نوعية الحياة ، ألا تعتقد ذلك؟.


    والتفتت من حولها، فرأت العديد من الموظفين يهزون رؤرسهم موافقين على قالته لكن


    نظرة صارمة من إلياس جعلتهم يجمدون مكانهم.


    وسألهم:


    - أليس لديكم عمل تقومون به؟.


    هزوا رؤوسهم مجدداً وتفوقوا ، لكن قالت :


    - قبل ان تذهبوا اود ان اقابلكم.


    بد إلياس ممتعضاً من اقتراحها لكنه لم يعارضه بل وضع يديه في جيبيه بينما راحت تالي


    تصافح الموظفين ، وتحاول حفظ اسمائهم عن ظهر قلب ، توقفت عند بول الأشقر


    الوسيم الذي بادرها :


    - آمل ان تسعدي بوجودك هنا.


    وتلاه ديسون الأسمر الذي قال:


    - وجودك يرفع معنوياتي.


    اما روزي القصيرة ذات الشعر الأحمر الناري ، فتقضي وظيفتها على حد قولها بإبقاء


    الجميع على الطريق المستقيم حتى إلياس نفسه.


    وكانت لوسي قد عقصت شعرها الفضي من الخلف ، ووضعت سواراً تتدلى منه تعاويذ


    بعدد احفادها ، وبدا شعر ثرينا الطويل الاسود متناقضاً مع شعر كارا القصير والزهري


    اللون اما جوليا فبدت وكأنها على وشك وضع ثلاثة توام في أي لحظة، سألتها تالي:


    - حامل بصبي ام بنت؟.


    فردت جوليا:


    - صبي ، وقريباً جداً ، اريد ان ارى قدمي.


    ضحكت تالي وقالت:


    - صديقتي كاتي قالت الكلام ذاته. ورأت ان المجموعة لطيفة إذ بدوا ودودين ماعدا


    إلياس انتونيدس الذي لم يتفوه حتى بكلمة واحدة، وعندما عاد الجميع الى مراكز عملهم


    نظرات اليه ، وكان هو يتأملها كما لو انها قنبلة موقوتة عليه ان يعطلها.


    وجهت كلامها اليه قائلة:


    - ربما علينا ان نتحدث كي نتعارف؟.


    فرد عليها بصوت خالٍ من اي تعبير:


    - ربما علينا ذلك.


    وتخلل شعره بيده ثم تنهد ونادى بول وديسون قائلاً:


    - اكملا العمل على مشروع كوربيت سنجتمع لاحقاً.


    فقالت:


    - إذا اردت الاجتماع بهما ، فلاتدعني اقاطعكم.


    - لا بأس.


    قالت تالي محاولة إثارة اهتمامه :


    - أعتذر على عدم إعلامك بحضوري ، لقد حضرت في السابعة إذا لم استطع الإنتظار ،


    كنت اول من يصل الى المدرسة في الصباح الباكر ، هل كنت تفعل ذلك ايضاً.


    فأجابها :


    - كلا.


    حسناً ، لا بأس ! تستخدم مقاربة جديدة.


    قالت :


    - وجدت مكتبي ، واشكرك على اللوحة التي تحمل اسمي ، اشكرك على التقارير المالية


    التي تسلمتها من والدي ، وقرأتها ، لكن لدي بعض الاسئلة ، مثلاً هل تعتبر صفقة شراء


    كوربيت هي الافضل للبدء فيها؟ فكرت في ان...


    فأجاب بحدة :


    - اسعمي ياآنسة سافاس، لن ينجح هذا.


    سألته :


    - ومالذي لن ينجح؟.


    قال :


    - هذا! مسألة الاسئلة والاجوبة عن شؤون العمل، انت تحبزين الكعك ، ثم تأتين لتسألي


    عن امور لا تعرفين عنها شيئاً ، لا وقت لدي لذلك ، لدي عمل اديره.


    قالت:


    - وهو عمل يصدف اني رئيسته.


    اجابها :


    - بسبب رهان.


    -----------------------------


    توقفت تالي مذهولة:


    - رهان.. عن أي رهان تتحدث؟.


    وقابلت عيناه السوداوان عينيها :


    - ألا تعلمين قصة الرهان؟.


    لكن قبل انت تمكن من القيام بأي خطوة ، صر فكيه وتنهد ثم قال:


    - لعلك لا تعلمين بالأمر.


    والتفت من حوله ثم اضاف :


    - ليس هنا ، تعالي.


    جذبها من ذراعها وقادها عبر الممر الى مكتبه ، وأغلق الباب خلفهما محدثاً صوتاً قوياً ،


    كان مكتب إلياس أنتونيدس اصغر من المكتب الذي خصصه لها ولا يوجد فيه نافذة ،


    إنه مكتب مليء بالأوراق والمستندات والملفات ، لكن احد الجدران حمل لوحة رسمها


    الفنان نفسه الذي رسم على الجدران الخارجية ومدخل المبنى.


    علقت تالي لا إرادياً:


    - واو.


    بدا إلياس مدهوشاً:


    - واو.


    فأومأت برأسها نحو الجدار:


    - هذا غير متوقع ، وهو يخطف اللب، أنت لا تحتاج لنافذة.


    نظر الى الدرجة نظرة طويلة فاحصة ثم التفا واشار الى كرسي قائلاً:


    - اجلسي هنا.


    كان كلامه امراً اقرب منه الى الدعوة، لكن الأمر لا يستحق التوقف عنده ، فجلست


    تالي وانتظرت منه ان يحذو حذوها لكنه لم يفعل، فتح فمه ليتكلم لكنه بقي صامتاً .


    عنئذ سألته :


    - ماذا عن الرهان؟.


    لم تكن واثقة من انها تريد ان تعرف لكن هذا يساعدها على فهم سبب انزعاج إلياس.


    واخيراً قال:


    - والدي يعتبر بحاراً ماهراً، وبعد ان باع اربعين بالمئة من شركة انتونيدس البحرية من


    دون ان يطلع احداً على نواياه..


    صمت لحظة ثم اضاف:


    - وكأن هذا لا يكفي فقد اجرى رهاناً صغيراً مع والدك.


    سألته تالي:


    - ماهو الرهان؟.


    وخطر لها انه ربما راهن على طلب يدها للزواج ، صحيح ان لن يفعل شيئاً كهذا حتى


    الآن لكنها لا تستبعد ذلك.


    قال إلياس:


    - الرابح في الرهان يفوز ببيت الآخر في الجزيرة وبرئاسة شركة انتونيدس البحرية.


    فأجابت تالي:


    - لكن هذا سخيف ، لم يريد ابي هذا المنزل ؟ لديه خمسة منازل فضلاً عن البيت الذي


    يقع على جزيرة قرب شاطئ ماين.


    فقال إلياس:


    - ليس لدي أي فكرة ، ولا اعتقد ان للمنازل علاقة بالموضوع ، لكن هذا المنزل هو


    منزل العائلة منذ اجيال.


    - ولم قبل والدك بالرهان.


    اجاب إلياس :


    - لأنه اعتقد انه سيربح.


    ولمع في عيني إلياس الغضب ثم تخلل شعره بيديه وأضاف:


    - أبي يحب التحدي خصوصاً عندما يكون متأكداً من قدرته ، لكنه لم يحسب حساب


    اخيك البطل الأولمبي.


    وتهالك على كرسيه بقوة ورمقها بنظرة وكأنه يلومها على ذلك ، علمت هي على من


    تقع الملامة وقالت:


    - ياإلهي ، طلب والدي من اخي ثيو ان يخوض السباق.


    كان هدف سافاس ان يكسب الرهان فهو يلعب ليفوز دوماً ، وفي هذه الحالة اراد


    سقراط سافاس اكثر من المنزل: رئاسة الشركة لابنته ، وربما صهراً له من ابناء ايولوس.


    على الأقل لم يعرضها للزواج ، لكن مافعله كان اكثر سوءاً.


    ----------------------------------


    قالت تالي بحزم:


    - إذن ستلغي الرهان.


    بقدر ما ارادت إثبات جدارتها في العمل إلا انها لم ترد الفرصة بهذه الطريقة ، واضافت


    :


    - سوف استقيل في العمل ، واعيد لك منزلك.


    نظر اليها إلياس بدهشة وذهول لاقتراحها الجريء لكنه هز رأسه نافياً وقال:


    - لن ينفع ذلك.


    سألأته :


    - ولم لا ينفع ذلك؟.


    اجابها وقد لوى فمه بمرارة:


    - لأن والدك ربح الرهان عن جدارة وبعدل او بقدر مايمكن ان يكون عادلاً.


    فقال بما يشبه الثورة على ذلك الاتهام الذي قاله لوالدها:


    - والدي لا يغش ، صحيح انه حريص ويدور الزوايا ويستخدم عقله ليكون الطرف


    الرابح ويفوز لكنه لا يغش ابداً.


    هز إلياس كتفيه وقال:


    - مهما يكن المنزل اصبح ملكه وسوف يحتفظ به.


    قالت بعناد:


    -سأطلب منه ألا يفعل ، وإذا فشلت في ذلك فسوف استقيل ، ولن استمر بهذا العمل.


    قال مصححاً :


    - عليك ان تقبلي بالمنصب.


    سألته :


    - ولم علي ذلك؟.


    اجابها:


    - لأن الصفقة تنص على ذلك ، ولا مجال للتراجع عن تنفيذها.


    صفقة؟ رهان؟ لابد ان تمسك بعنق والدها وتخنقه.وقالت:


    - اخبرني المزيد.


    فقال:


    - اخبر والدي انه قد يعيد له المنزل بعد سنتين.


    توقف الياس وهز رأسه فقالت بحدة:


    - هذا إذا...


    لابد من وجود شرط...


    صرف إلياس مجدداً بأسنانه وقال:


    - إذا بقيت أنا في الشركة كمدير إداري لمدة سنتين وبقيت انت رئيتسها للمدة نفسها


    .


    رددت :


    - مدة سنتين؟.


    يبدو ان والدها لا يثق بها ليظن انها تحتاج سنتين لتجعل إلياس يتزوجها ، او لعله اعتقد


    انه يحتاج سنتين لإقناعها بأن الزواج منه فكرة حسنة لكن الفكرة لم تكن حسنة وهي لا


    تنوي ان تفعل هذا.


    واخيراً قالت :


    - هذا سخيف ، ليس علينا ان ننفذ مايحيكه من خطط.


    قال :


    - المنزل..


    فأجابت معترضة:


    - لايمكن ان يكون ذلك المنزل فريداً.


    عقد إلياس يديه فوق صدره وقال:


    - ولد والدي في ذلك المنزل وابوه من قبله ، والسبب الوحيد الذي جعلني لا اولد فيه


    هو ان اهلي جاؤوا الى نيويورك قبل ان اولد ، لكن اجيالاً من آل انتونيدس ولدت


    وتربت وعاشت وماتت هناك وكلنا نعود اليه في وقت من الاوقات ، كنت ابني السفن


    مع جدي هناك حين كنت صبياً.


    وتغيرت نبرة صوته وبدا عاطفياً اكثر من السابق وتخلى عن اللهجة الباردة التي حاول


    ان يخاطبها بها وهو يضيف :


    - والدي تزوجا في ذلك المنزل ، إنه تاريخنا وهو قلبنا النابض.


    فأجابت بحدة ظاهرة:


    - لم يكن من حق ابيك التخلي عنه والمراهنة عليه.


    اجابها :


    - لم يكن عليه ذلك طبعاً ! ولم يكن من حق ابيك استغلال الفرصة للفوز بالمنزل.


    وحملقا في بعضهما البعض لفترة ثم ادركت ان ماقاله إلياس بحق ابيها صحيح ، لعل


    اصله الوضيع علمه ذلك ، إذا كان لدى آل انتونيدس منزل عائلي ليخسروه فهذا اكثر


    مما كان لعائلة سقراط يوماً ، وهي ما زالت تذكر قصصاً عن العمل الشاق الذي ارتضوا


    القيام به لقاء الإجر الضئيل الذي يعطي لهم عندما تسنح الفرصة ، أي فرصة ، لابد من


    استغلالها لجني المزيد من المال.


    --------------------------------


    لم يخاطبها شك في أن والدها اعتبر الاستيلاء على منزل آل انتونيدس ضرباً من الحظ ،


    واخيراً قالت بشيء من اللطف والنعومة:


    - ماالذي تقترحه إذن؟.


    فرد بسرعة :


    - لا اقترح ان نفعل شيئاً ، قمت بعملي بصورة جيدة خلال السنوات الثماني الماضية


    لوحدي ، انقذت شركة انتونيدس من الإفلاس، وجعلتها تحقق ارباحاً وسأستمر في ذلك


    ، وبما أنك ستتواجدين هنا، فيمكنك الجلوس في مكتبك ، او خبز الكعك اللذيذ او


    تقليم اظافرك.


    قالت:


    - اجلس واقلم أظافري؟.


    - افعلي مايحلو لك ، شرط الابتعاد عن طريقي.


    لكنها ثارت وقالت:


    - لكني الرئيسة.


    فقال بصراحة:


    - انت دخيلة هنا، لماذا أصر رجلك العجوز على إقحامك هنا؟


    وتورد خداها ، كانت تعرف السبب الحقيقي لكنها لن تخبره به وقالت:


    - لأنني استطيع القيام بالمهمة!.


    كان هذا جزء من الحقيقة ، وليس الحقيقة كلها ، واضاف إلياس:


    - لكنك لا تعلمين شيئاً عن الأعمال البحرية.


    اجابت:


    - إني اتعلم ، قرأت كل التقارير التي ارسلها والدي وقمت ببحث عن الشركة في


    الصحف والمجلات التي تعنى بشؤون الصناعة البحرية ، وامضيت ساعات الصباح اقرأ


    التقارير المالية التي ارسلتها الى مكتبي ، اخبرتك ان لدي بضع الشكوك.


    فقال:


    - لا اعتقد انها ضرورية.


    فقالت:


    - بل هي ضرورية ، ان كانت شركة انتونيدس البحرية تريد التوسع في مجالات اخرى


    غير بناء السفن ، فيجب اخذ اكثر من خيار بعين الاعتبار .


    فأجاب:


    - ولقد فعلت ذلك.


    - علينا دراسة إستراتيجية التسويق قبل ان نتخذ أي قرار.


    قال:


    - وأنا اتخذ القرار.


    واخيراً قالت تالي بعد استجمعت صبرها وهدوءها :


    - اسمع ، لقد اتفقناعلى انني لا استطيع المغادرة لأسبانيا الخاصة.


    واضافت قبل ان يقاطعها :


    - لذا سأبق! وبما أنني سأبقى سأتدخل بصفتي رئيسة شركة انتونيدس البحرية سواء


    اعجبك ذلك ام لا ، لن ارضى بأن وضع جانباً ، لن اسمح لك بذلك.


    حدق فيها مذهولاً فبادلته التحديق، وكان يمكن لهذا ان يدوم لو لم يرن جرس الهاتف


    فرفع إلياس السماعة بعصبية صائحاً:


    - ماذا؟.


    ومهما كان الجواب ، بدا انه لم يعجبه، استمع وهو ينقر المكتب بأصابعه ، ويصرف


    بأسنانه ، ثم قال:


    - صليني بها. وضغط على الزر قبل ان يلتفت الى تالي قائلاً:


    - إنها شقيقتي ، يجب ان اتحدث اليها.


    من النظرة التي بدت على وجهه تمنت تاليا ألا تكون مكان شقيقة إلياس في الوقت


    الحاضر او في أي وقت آخر ، قالت:


    - حسناَ ، تفضل.


    كانت بحاجة لبعض الوقت لاستيعاب ماعلمته هذا الصباح ، وهو أسوأ بكثير مما


    توقعت ، المكان ، والمنزل والصفقة ، والرجل الذي اختاره والدها ليضعها بين يديه،


    ويجعله صهره فضلاً عما قاله لك المتعجرف بأن تهتم بتقليم اظافرها بدلاً من ان تهتم بما


    جرى في شركة انتونيدس البحرية الدولية.


    وقفت وقالت تخاطبه:


    - سأكون في مكتبي إن احتجت الي.


    ---------------------------------


    فتمتم قائلاً :


    - حسناً ، سيحصل ذلك.


    ورمقته بنظرة قاسية ، لكنه عاد للحديث مع شقيقته، لم يجر الحديث بنعومة بل حدث


    الصدام كالعادة دوماً حين يتحدث الى شقيقته ، لكنه استغرق وقتاً اطول.


    والسبب هو المواجهة التي حصلت بينه وبين الرئيسة الجديدة والتي لم تنته فصولها بعد،


    ماشوش ذهنه ومنعه من التركيز بينما كريستينا منشغلة برواية ماحصل معها لدى إبحارها


    من مونتوك الاسبوع الفائت.


    وبينما كان إلياس ينتظر لتدخل شقيقته في صلب الموضوع راح يفكر في كيفية ترويض


    الآنسة سافالس المزعجة، لابد من وجود طريقة لإقناعها بالا تتدخل في مايجري في شركة


    انتونيدس البحرية لكنه لم يعثر بعد على واحدة ، لقد قالت بصراحة :


    - أنا لا اتبع التعليمات والإرشادات جيداً.


    ثم اثبتت ذلك فعلاً ، يالها من امرأة مزعجة فعلاً!


    قالت كريستينا بحماسة:


    - كانت الرحلة جميلة ستحبها كثيراً ، عليك ان ترافقنا في المرة المقبلة.


    وكان على الياس ان يبعد تفكيره عن تالي سافاس ليرد على شقيقته :


    - لا وقت لدي لذلك.


    وقالت كريستينا بحماس:


    - يمكنك ان تصحب معك غريتل ، رأيناها الاسبوع الماضي ، و لااعلم لما تخليت عنها.


    لم يعترف لها بالسبب ، فعندما قابل غريتل غوستافت في احد المقاهي ذات ليلة، كانت


    قد تخلت عن صديقها السابق ، ولم تبد اهتماماً بأي علاقة جدية في القريب العاجل، وبما


    أن إلياس لا يهتم بالتورط جدياً تمتعا برفقة بعضهما البعض.


    استمرت علاقتهما قرابة السنتين الى ان بدأت غريتل تتصرف وكأن علاقتهما اكثر


    مماهي عليه.


    قالت كريستينا:


    - إنها رائعة وقد سألتني عنك.


    وانتظرت كريستينا رداً لم تصحل عليه، فأضافت متنهدة:


    - حسناَ ! إذا لم ترغب في أن ترافقك غريتل ، فسنجد لك رفيقة اخرى.


    رد إلياس بعصبية :


    - كلا، لن تفعلي ذلك ، و لااريد ان ترتبي لي الامور مع أي امرأة ، كما اني مشغول


    جداً بالعمل ، فالأمور بدأت تصعب اكثر ، وفي حال لم تعلمي لدينا رئيس جديد في


    شركة انتونيدس البحرية.


    اجابت كريستينا:


    - اخبرني والدي ،وهي امرأة.


    لم يجف الاستهجان مشاعر كريستينا التي ضحكت وسألته:


    - هل تظن انه يدبر لك علاقة ما ؟.


    اجابها :


    - كلا، لا اعتقد هذا!.


    هذه الفكرة روادته إلا ان والده لم يكن من النوع الذي يحبك المؤموات ويخطط بهذه


    الحنكة بل هو من النوع الذي يرمي المرأة في وجهه ، كما ان تالي سافاس ليست المرأة


    التي قد يختارها زوجة لابنه.


    كان يرى ان غريتل مذهلة تدير الرؤوس ، وهي فعلاً كذلك لكن إلياس لم ترواده اي


    احلام مثيرة بشأنها ، فهي بعيدة كل البعد عن الغموض على عكس تالي سافاس وشعرها


    الطويل الجعد.


    - اخبرني كيف تبدو؟.


    فرد إلياس بلهجة حاول ان تبدو طبيعية:


    - لا شيء مميز فيها ، إنها من النوع العملي جداً.


    بدت خيبة امل كريستينا جلية:


    - ترى مالذي كان ابي يفكر فيه إذن؟.


    قال إلياس :


    - اشك في انه كان يفكر حينها .


    ضحكت كريستينا وقالت:


    - إنه ليس بهذا السوء ، فهو يحب مارك.


    فأجابها إلياس:


    - وهذا يؤكد وجهة نظري.


    ------------------------------


    قال :


    - كلا، لا يؤكد شيئاً ، انت لا تعرفه جيداً، فهو يعرف الكثير من القوارب والسفن ،


    إن كانت السيدة الرئيسة تحب العمل وتحمل المسؤولية فهذا يعني انه اصبح لديك المزيد


    من وقت الفراغ وتستطيع مرافقتي انا ومارك.


    - اسمعي ياكريستينا لدي عمل اقوم به..


    فقالت تتهمه:


    - أنت لا ترغب في ان تقابله.


    فأجابها بعدما نفذ صبره:


    - قابلته ، كنت في جامعة يال.


    قالت:


    - هذا ماسمعته ، لقد تغير كثيراً منذ ذلك الحين.


    وامل إلياس ان يكون ذلك صحيحاً، ففي يال اشتهر مارك بالمجون ولم يلتحق بالجامعة


    إلا لأن والده لديه شبكة معارف واسعة.


    - إذا اردتني ان اقابله ثانية فأحضريه معك الى المنزل يوم الاحد.


    كان قد تمكن من تجنب العشاء الذي دعته اليه والدته الاحد الفائت متعللاً بكثرة


    الاعمال ، لكنه لن يتمكن من النجاة هذا الاحد.


    غمغمت كريستينا:


    - لا اظنها فكرة جيدة!.


    فقال لها :


    - لم لا؟ قلت إن العجوز احبه.


    - سأحضر مارك إن حضرت السيدة الرئيسة. فأجابها بسرعة:


    - الى اللقاء كريستي.


    ووضع السماعة قبل ان تقدم له المزيد من الافكار والاقتراحات. كان لديه الكثير من


    الامور الهامة ليعالجها.. كاإقناع تالي سافاس او السيدة الرئيسة بأنه من الافضل لها ان


    تقضي السنتين القادمتين في تقليم اظافرها بل التدخل في شؤون العمل في شركة


    انتونيدس البحرية، سيريها ماهو العمل وهو يعرف من أين سيبدأ .


    قالت مبتسمة عندما دخل إلياس الى مكتبها بعد ظهر ذلك اليوم حاملاً كومة من الملفات


    والتقارير:


    - أهذه كلها لي؟.


    رد إلياس بمرح بعدما القى حمله على طاولتها :


    - نعم لك ، وبما انك قررت ان تشاركي في اتخاذ القرارت فعليك مراجعاتها بسرعة


    لتكوني على اطلاع على مايجري .


    اجابت بحماس:


    - بالطبع سأفعل ، اشكرك على ذلك.


    رمقها بنظرة قاسية، لكنها ابتسمت في وجهه، فهز كتفيه اخيراً واجاب :


    - من دواعي سروري.


    واستدار نحو الباب ثم توقف واضاف:


    - لدي المزيد لك نهار الغد.


    حافظت تالي على ابتسامتها المصممة وقالت:


    - بالكاد استطيع انتظار نهار الغد.


    في الواقع كانت تمضي وقتاً ممتعاً ، وبعد ان انهى مكالمته مع اخته توجه الى قاعة


    الاجتماعات لمقابلة بول وديسون ، لم يدعها لكنها دخلت ، بدا مذهولاً عندما فتحت


    الباب ودخلت ، وشعرت بأنه يرغب في إلقاءها خارجاً لكنه هز كتفيه اخيراً وقال :


    - اسحبي احد الكراسي.


    سحبت تالي الكرسي من دون ان تتفوه بأي كلمة، مع ان إلياس توقع ان تحتج لكنها لم


    تفعل ، فأول درس تعلمته من والدها هو ان تنظر وتستمع قبل ان تتفوه بأي كلمة،وقد


    خدمها ذلك من قبل ،وربما سيخدمها الآن ، اثار إعجابها مدى قدرة إلياس على تلقي


    ومعالجة المعلومات التي يدلي بها بول،وقد درس مختلف احتمالات مسألة شراء شركة


    كوربيت ومتفرعاتها.


    مازالت غير مقتنعة بهذه الخطة.


    لكن من الافضل لها ان تستمع وتفكر في مايقال وتستعلم بنفسها اكثر ، في هذه الاثناء


    ستقرأ كل ماحمله إلياس اليها من ملفات وتقارير لتقرأها.


    ----------------------------------


    لكن لا بأس فهي لن تعرف اسرار الشركة مالم تطلع على هذا الكم من المعلومات ،


    وهكذا امضت ماتبقى من نهارها في مراجعة الملفات.


    بعض التقارير كانت اقل ماتوقعته، والبعض الآخر اثار اهتمامها، لقد اتضحت الصورة


    امامها بشكل مفصل وافضل مماعرفته من والدها عن وضع شركة انتونيدس البحرية قبل


    ثماني سنوات، وماهو عليه الآن.


    اكتشفت الحالة المزرية التي كانت علية الشركة عندما امسك إلياس بزمام الامور فيها ،


    وكيف حولها الى شركة تحقق الارباح ، ومدى كفاءته وجديته في التعاطي مع عمله، لقد


    رأى ماكانت الشركة بحاجة اليه ، واقدم..


    عندما تسلم إلياس الإدارة كان اول مافعله هو وقف انتاج اليخوت الفخمة الذي


    استنزف احتياطي الشركة من اموال ولم يحقق ارباحاً تذكر.


    لم تجد بين الأوراق مايظهر معارضة والده لهذا الاجراء لكن بدا واضحاً ان العائلة لم


    تشجع الخطة.


    وتساءلت ما إذا كانت ستخبره ان ثمة قاسم مشترك يجمعما لكنها شككت في ذلك،


    وكلما قرأت اكثر ازدادت اقتناعاً بصوابية مافعله.


    ولدى انتهائها من مراجعة الملفات نظرت من نافذة مكتبها وراحت تحدق في الشمس


    الغاربة وتقبلت فكرة انها لو كانت مكان إلياس انتونيدس لكرهت ان يأتي احد من


    الخارج ويفرض عليها آرائه.


    وعند الساعة الثامنة مساءاً جمعت ماتبقى من ملفات لتحملها معها الى البيت فهي تفتح


    فمها للكلام قبل ان تجد ماتستند اليه ، وخرجت تفتش عن صندوق لتضع الملفات فيه


    فوجدت المكتب خالياً.


    قالت بعدما وجدت الصندوق الذي تريد:


    - هذا رائع.


    انحنت لترفعه لكنها لما استقامت اصطدمت بصدر رجل وقف خلفها تماماً ، وجاءها


    صوت إلياس رقيقاً هذه المرة:


    - هل اساعدك في شيء؟.


    اخفت رقة السؤال وراءها استفساراً حول ماتفعله او تبحث عنه فابتسمت له وقالت :


    - اما زلت هنا ايضاً ؟ كنت ابحث عن صندوق اضع فيه بعض الملفات لأدرسها في


    المنزل.


    وحاولت تجاوزه لكنه اعترض طريقها وقال:


    - عم تتحدثين؟


    - اجابت:


    - الملفات التي زودتني بها ، اعذرني!.


    كانت نبرتها مؤدبة ، لكن عندما لم يفسح لها الطريق اصطدم الصندوق الذي تحمله


    ببطنه فقالت:


    - آسفة.


    علماً انها لم تكن آسفة ، لكن إن اراد اعتراض طريقها كما فعل ... وسمعته يتمتم فيما


    هي تهرع عائدة الى مكتبها حاملة الصندوق بين يديها :


    - لا داعي لأخذ هذه الى المنزل.


    فأجابت :


    - لاانوي البقاء هنا طوال الليل.


    قال:


    - انت تجثمين نفسك الكثير من العناء.


    اجابت :


    - لا مشكلة في ذلك فهذا عملي.


    بدا انه يصرف بأسنانه كأنما يريد ان يقوله لها :كلا انه عملي أنا.


    لكنه لم يتكلم وتنفس وهي تراقي مشيته: اهلاً بك في يومك الاول في شركة انتونيدس


    البحرية.


    --------------------------


    مما لاشك فيه ان تالي سافاس ستزعجه.


    من يحتاج الى رئيسة تخبز الكعك؟ الى رئيسة حضرت الاجتماع وسجلت الملاحظات ولم


    تتفوه بكلمة واحدة؟ الرئيسة دفنت نفسها في مكتبها لتقرأ الملفات واخذتها معها لتكمل


    القراءة في المنزل؟


    وقف إلياس يراقبها من مكتبه وهي تسرع الخطى نحو الباب وصندوق الملفات فوق


    حقيبتها.


    أي رجل مهذب كان ليساعدها ، لكن إلياس لم يكن بمزاج يسمح له بلعب دور السيد


    النبيل ، وتمنى لو آراها تنهار ، لكن والدها سيطالبه بأن يسدد نفقات استشفائها.


    لحق بها رغماً عنه قائلاً:


    - دعيني اساعدك.


    وفتح لها الباب فابتسمت له وقالت :


    - شكراً لك.


    بدت الابتسامة متناقضة تماماً للعناد الذي أظهرته من قبل ورفضها ترك العمل والعودة


    الى منزلها وأضافت:


    - اسعدت مساء.


    فقال لها:


    - اتريدين ان اساعدك؟.


    هزت رأسها وقالت : كلا شكراً.


    الغريب ان إلياس شعر بالاستياء لأنها رفضت المساعدة ، فأغلق الباب الخارجي بعنف


    خلفها لكنه بقي في مكانه ، وظل يراقبها من خلف الزجاج فإن اسقطت اغراضها


    ستضطر لطلب المساعدة.


    لكن وفي تلك اللحظة ، فتح احد ابواب البهو وخرج منه رجل عرفه إلياس على


    الفور، إنه الصحفي مارتن دي بور الذي يكتب في صحيفة شهرية معروفة تحتل بعض


    المكاتب في اقصى البهو، عندما رضي إلياس بأن يؤجرهم المكاتب اعتقد انهم


    المستأجرون المناسبون وكانوا كذلك فعلاً.لكن هذا الصحفي من طينة مختلفة.


    كان دي بور من النوع المتعجرف المدعي الذي يحشر انفه حيث يريد وإن لم يكن ذلك


    مطلوباً منه، ولم تتحسن صورة دي بور في عينه عندما رآه يبتسم لتالي ويتحدث اليها


    بعد ان تبرع لحمل الصندوق عنها.


    لعل ابتسامتها وجوابها جعلاه يخطف الصندوق من يدها ويحمله عنها ، اللنعة! لقد


    رفضت ان يساعدها ، وهاهي تقبل المساعدة من دي بوير، وشعر بالحاجة للخروج


    وانتزاع الصندوق من بين يدي دي بور لكن هاتفه الخلوي رن وكان المتصل والده


    المتفائل دوماً الذي قال مستفسراً:


    - كيف جرت الامور مع رئيستنا اليوم؟.


    راقب إلياس تالي ومارتن يختفيان داخل المصعد وقال باختصار:


    - لا تسأل عن ذلك.


    لمتابعة الرواية وتحميها pdf

    اضغط هنا

    إرسال تعليق